ان قدوم هذه الاعداد المتزايدة من السوريين الى لبنان، والذي بات يشكل حوالي 30% من مجموع سكانه، وانتشارهم الفوضوي في مختلف المناطق اللبنانية ، في غياب اي تدابير لضبطه ، ترتّب عليه مفارقة كبرى لا تستطيع تحملها بين هذا الكم الهائل من السوريين ، وقدرة لبنان في تركيبه السكاني ومساحته وطاقته الاستيعابية وانقساماته السياسية والطائفية من جهة ، واوضاعه المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والصحية والامنية ومن جهة اخرى فإن كلفة هذا الدفق السوري الى لبنان منذ العام 2011 وحتى اليوم تجاوزت الخمسين مليار دولار اميركي. وكل ما قدمته المنظمات الدولية المسؤولة عن رعاية النازحين للبنان لم يتجاوز التسع مليارات من الدولارات فقط.

ان كافة اللبنانيين يدركون فداحة هذه الاوضاع وخطورتها على حاضرهم ومستقبل اجيالهم ، وعلى كيان لبنان ومصيره كدولة مستقلة . فما من احد ينكر ذلك او يعلم الى اين تتجه الامور؟ فالبلد يعاني اقسى المعاناة وسط الشغور الرئاسي والفشل الحكومي والشلل النيابي ، وغير قادر على اجتراح الحلول المناسبة للخروج من معاناته ومن بينها المعضلة المترتبة على الوجود السوري في لبنان .

والمستغرب ان من تناوبوا على السلطة وادارة شؤون الناس في لبنان ، منذ العام 2011 الى 2023 ، لم يحسنوا التعامل مع هذا الملف الشائك للوجود السوري المتزايد في لبنان ، ولم يتخذوا التدابير الكفيلة بالتخفيف من وطأته على اللبنانيين . ولهذا وصلنا الى ما نعانيه اليوم ونعجز عن محاولة ايجاد حلول مقبولة له .

نحن كنا سبّاقين في التحذير من التداعيات التي ستترتب على ترك حركة النزوح والدخول السوري الى لبنان على غاربه ، نظمنا المؤتمرات وعقدنا الندوات، ووجهنا النداءات المتتالية لأرباب السلطة لتحمّل مسؤولياتهم وتنظيم هذا الوجود ، فلم يستجيبوا واوصلونا الى ما نحن عليه اليوم من انسداد افق الحلول ، وتفاقم المخاطر. ومن مواكبة تطورات هذا الملف تكوّنت لدينا ملاحظات كثيرة على سوء ادارة السلطة اللبنانية له.

وما نشهده اليوم من تدابير تتخذها السلطة اللبنانية يؤكد لنا ان من بين الاسباب الرئيسية للفشل المتواصل في المعالجة هو هذا الخلط بين العمالة والنزوح واللجوء السوري في لبنان، والتعامل معها كملف واحد تحت مسمى النزوح ، وكيفية اعادة النازحين الى بلدهم سوريا. وفي رأينا، ان الفصل بين هذه الملفات وطرق التعامل معها هو اساسي لانجاح الحلول المطلوبة .

فملف العمالة السورية في لبنان لا علاقة له اطلاقاً بملفي النزوح واللجوء. ولبنان منذ الاستقلال كان ولا يزال بحاجة دائمة لليد العاملة السورية في مجالات الزراعة والبناء والصناعة والعديد من المهن والحرف. وما حوّل العمالة السورية في لبنان الى مشكلة لبنانية – سورية متفجرة هو سوء الادارة اللبنانية وتقاعسها عن وضع التشريعات اللازمة لضبطها ومراقبتها وشرعنتها واحصائها ووضع داتا كاملة لها، والحؤول دون تأثيرها سلباً على العمالة اللبنانية ، ومنع اصحاب المصالح اللبنانيين من تشغيل السوري محل اللبناني بشكل فوضوي طمعاً بتحقيق مكاسب شخصية . والمطلوب من اللبنانيين اليوم مسؤولين وافراد وجماعات التعاطي مع ملف العمالة السورية بحكمة ودراية خدمة للمصلحة المشتركة بعيداً عن مزايدات الكراهية والعنصرية والاستغلال الفئوي او الحزبي او الطائفي التي تعقّد الامور وتزيد المخاطر.

اما ملف النزوح الذي يبرز حالياً في مقدمة اهتمامات اللبنانيين بين افراد وجماعات ومسؤولين ، فمسؤولية تفاقمه وتداعياته السلبية والفشل في ايجاد حلول مقبولة له ، يتقاسمها ثلاثة اطراف: السلطة اللبنانية ، منظمات الرعاية الدولية والنظام السوري ، كما سيتبيّن في ما يأتي :

1- ان السلطة اللبنانية بمختلف مكوناتها السياسية والحزبية والادارية تعاطت مع هذا الملف بالكثير من الاستخفاف وعدم الجدية وغياب القرار في الوقت المناسب ، والتباين في المواقف منه على خلفيات فئوية وحزبية ومحورية . وكان من نتائج ذلك انعدام التنظيم وغياب المراقبة والاحصاء، وانفلاش النزوح فوضوياً على كل المناطق ، وترك النازحين يتصرفون على هواهم ، وابقاء الحدود مع سوريا مشرّعة لهم دخولاً وخروجاً ولعلّ اغرب قرار اتخذته السلطة اللبنانية كان القرار الذي اتخذته في العام 2015، والطلب من مفوضية الشؤون اللاجئين المنوط بها رعاية شؤون النازحين، التوقف عن تسجيل واحصاء اعدادهم في لبنان . ولهذا بات من المتعذر اليوم معرفة حقيقة اعدادهم وولاداتهم ، وتحركاتهم عبر الحدود. هذا الفلتان وعدم الجدية في ضبط الحدود من قبل السلطة اللبنانية حوّلها الى معابر للتهريب والتجارة بكل شيء تقريباً، الامر الذي ترتب عليه تكبيد لبنان مليارات اضافية من الدولارات على الاستيراد والدعم الذي يهرّب قسم كبير منه ، على يد المافيا اللبنانية – السورية الى سوريا .

كل هذا حصل ولا يزال يحصل لمصالح فئوية ونفعية ، وتعجز السلطات اللبنانية المتناكفة عن التصدي له ووقفه.

وفي الحقيقة لا يمكن تصوّر معالجة النزوح السوري في لبنان قبل تشكيل سلطة جديدة شفافة وقادرة ، موثوقة من اللبنانيين ، ومعبّرة عن مصالحهم العليا . واي كلام آخر في ظروفنا الراهنة عن ملف النزوح لن يتجاوز المزايدات المعتادة بين اطراف لبنانية لتسجيل بطولات وهمية على بعضهم البعض في بلد ممزق ومعلق على حبال الهواء تتقاذفه الرياح العاتية. والبرهان الاخير على ذلك ، ان ارباب الحكم والتحكم والبطولات الشعبوية بسياساتهم وسوء ادارتهم عزلوا لبنان عن العالم ، وغيبوه حتى عن الاجتماعات التي تعقد للبحث في شؤونه بما في ذلك قضية النزوح السوري ذات الاولية عند اللبنانيين .

2- ان منظمات الرعاية الدولية ممثلة خاصة بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين مسؤولة عن تأمين الرعاية للنازحين من جهة ، والتعويض على الدول المستقبلة لهم بقسم من النفقات المترتبة على وجودهم في اراضيها وعلى البنى التحتية والموارد التي يحتاجون اليها لسد حاجاتهم اليومية في مختلف الشؤون المعيشية والتعليمية والصحية . هذه المفوضية تقوم بعملها ضمن ما يتأمن لها من تمويل دولي وترفض تحميلها مسؤولية تفاقم تداعيات هذا الملف ، وتحمل مسؤولية ذلك الى السلطة اللبنانية وتعترض على محاولاتها اعادة النازحين قبل ضمان سلامتهم وتوفير اسباب سكنهم وعملهم ومعيشتهم في بلد مهدّم ومشرذم بين قوى امر واقع غير ملائم لاعادتهم ، وعدم موافقة المجتمع الدولي على هذه الاعادة قبل اتمام الحل السياسي للمشاكل القائمة في سوريا .

3- ان النظام السوري ، رغم الاتصالات والزيارات لمسؤولين لبنانيين مع اركان هذا النظام للبحث معهم في اعادة النازحين السوريين من لبنان الى سوريا ، لم يحصل المتصلون سوى على الترحيب الكلامي ووضع العديد من الشروط حول من هم الذين على استعداد لقبول عودتهم ، وخاصة الحصول على اموال لاعادة الاعمار ، وتعويم النظام عربيا ودولياً.

ولو كان النظام السوري راغباً في استعادة مواطنيه الذين هجّرهم الى بلدان الجوار السوري ، فمن يمنعه؟ ولماذا يشترط ليتعامل معه ويفاوضه حول عودة مواطن سوري لبلده سوريا؟

وفي ما يتعلق بملف اللجوء المختلف كلياً عن ملف النزوح ، حيث ان اللاجئ له بعد سياسي وخطر حياتي يمنع عودته الى بلده، وترعى القوانين المنظمات الدولية وكيفية التعاطي معه وهو يحتاج الى توافق الدولة المضيفة له مع المنظمات الدولية ذات الصفة لتأمين بقائه الشرعي في البلد الضيف او ايجاد بلد آخر يوافق على اقامته فيه.

ان القدرة اللبنانية على ايجاد حلول لهذه القضايا المجتمعة مرهونة بقدرة ارباب السياسة والسلطة في لبنان على اعادة تكوين السلطات المعطلة واعادة تسيير الادارات. فهل حان الاوان لاتخاذ ما يلزم من خطوات وقرارات واجراءات تنفيذية لانجاز هذه المهمة؟