إن ما نمر به يحتم علينا الإشارة إلى المرحلة الخطيرة الحالية التي نجتازها ويجتازها العالم والتي تتمخض عنها أوضاع المستقبل القريب والبعيد. وهي من الخطورة بحيث يتحقق منها كل منا في قرارة نفسه أننا على أبواب حدث في المدنية كبير النتائج وتحول هائل وكأنها ولادة جيل جديد وعالم جديد. في هذا الجو النفساني المنطوي على الكثير من الآمال وقلق الانتظار وصمته داخل الحياة الزاخر بالإمكانيات التي تتفتح فينا وحولنا من جديد. أصبح من الخيانة على كل فرد وكل جماعة أن لا يتطلع بمسؤوليته الإنسانية الكاملة ولا يتوضح له هذا الاختيار. ومعنى هذا الاختيار : مع التطور أو ضد التطور. مع الحياة أو في التيار الذي يتعاكس مع الحياة. مع الحرية والوعي المتزايد الذي لا يكتمل في الواقع بالتهرب من الحياة ومن العمل بل بالانسجام مع الجماعة والبشرية. وبالانتظام منها كعضو فعال تحت تأثيرك والتقارب والتضحية أو مع التعلق برجعية ما. علينا أن نقبل بالتطور ومستلزماته العملية الشاملة وأن نتفهم أهداف تطور الآلة وتطور العنصر البشري. وأن ندخل بحرية في سياق هذا التطور مزودين بالمعرفة وبالإرادة وبالمحبة الجامعة. فنهدم ما نتردد اليوم بهدمه أي النظام البرجوازي الرأسمالي المحتضر. ونبني بيت الجماعة أي البيت الذي تسكنه السعادة البشرية. علينا أن نتنبه إلى دقة وعظمة هذا الاختيار. وأن ندرك خطورة وقيمة قوى التطور والحياة التي سلمت إلينا مقاليدها فترة من الزمن. علينا أن نتحسس عميقا بأنه يمكننا اليوم تسير دفة الشراع وتوجيه مصيرنا ، قد نصبح في الواقع أفرادا وجماعات أسياد مصيرنا.
( المرجع كتابه رسالتي العدالة الإنسانية صفحة 60)