يعتقد جورج انطونيوس، ان اول محاولة لبعث الفكرة العربية في الشرق هي محاولة محمد علي باشا وابنه ابراهيم باشا: “وقد ذهب ابراهيم باشا اكثر من والده في رغبته بأن يرى نهضة عربية في الوقت الذي كان يسعى فيه لبناء ملك” (ص.28 من كتاب “اليقظة العربية”)

وكانت المحاولة المصرية، كما اسماها انطونيوس “بداية مغلوطة”، فشلت لأسباب عديدة منها: معاكسة بلمرستون (رئيس حكومة بريطانيا)، وانعدام الحس القومي العربي (المصدر ذاته ص. 31)

وكان لابد ان يمهّد للفكرة العربية بنشر المعرفة على يد المدارس الاجنبية والوطنية والبعثات التبشيرية (الاباء اليسوعيون والعازاريون، والبعثة الانجيلية الاميركية) ، وعلى يد الاديبين المسيحيين ناصيف اليازجي وبطرس البستاني اللذين بعثا تراث اللغة العربية ، وألّفا فيه ونشرا، وقد اسس البستاني سنة 1860 صحيفة “نفيرسوريا” ومن ثم في سنة 1870 مجلة “الجنان”.

وتأسست في كانون الثاني سنة 1847 جمعية العلوم والفنون ومن بين اعضائها اليازجي والبستاني وايلي سميث وكورنيليوس فانديك الاميركيين والكولونيل تشرشل البريطاني. ولم يكن بين الجماعة مسلم واحد ولا درزي، وعاشت خمس سنوات. وفي سنة 1850 الّف الاباء اليسوعيون برعاية الاب النشيط العالم هنري دي بروند جمعية مماثلة “الجمعية الشرقية” ولم يكن فيها ايضاً احد من المسلمين، ويظهر انها زالت بزوال مثيلتها. وفي سنة 1857 تأسست “الجمعية العلمية السورية ” وبلغ عدد اعضائها 150، وكانت بينهم شخصيات تنتمي الى جميع الطوائف كرئيسها الامير محمد ارسلان وحسين بيهم واحد اولاد بطرس البستاني . وقد توقف نشاط الجمعية ابان حوادث 1860، ثم استعادت نشاطها سنة 1868، وضمت بضع شخصيات كانت مقيمة في مصر. وكانت الجمعية العلمية السورية المهد الاول الذي ابصرت فيه النور الحركة العربية.

اما اول عمل منتظم في حقل الحركة القومية العربية فيرجع الى العام 1875، عندما اجتمع 5 شبان واسسوا جمعية سرية ، وكانوا قد تلقوا علومهم في المدرسة البروتستانتية السورية ، وكانوا جميعهم مسيحيين، ولكنهم سعوا، فيما بعد ، لضمّ 32 عضوا ينتمون الى جميع الطوائف. وكانت للجمعية فروع في دمشق وفي طرابلس وصيدا. وكانوا يهدفون صراحة الى الثورة ، واخذوا يعملون بالاجتماعات السرية وبنشر الاعلانات والمناشير في الشوارع يظهرون فيها مساوئ الحكم العثماني. وكان من ضمن اعضائها الدكتور فارس نمر باشا ، والشيخ ابراهيم اليازجي، وقد وضعت سنة 1880 برنامجاً بأربعة بنود يتناول في بنده الاول المطالبة بمنح الاستقلال لسوريا المتحدة مع لبنان .

(المرجع: كتابه “نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية” ص.66)