“ان الازمة التي نعانيها هي في آن واحد، ازمة حكم وازمة سلطة ، وازمة قيادات سياسية ، جعلت من لبنان ساحة للمهاترات في كل المجالات. هذه الازمة لا يمكن ان تعالج الا اذا حاولنا اصلاح الاخطاء التي ارتكبت والتي ادت الى وقوعنا في المأزق الذي نحن فيه. وهذه الازمة لا تحلّ الا على اساس وطني لا طائفي، وبنهج حازم وتدرجي في آن. وخلاص لبنان لا يكون باستخدام العنف ايا كانت مبرراته.”
(كمال جنبلاط من مقال له نشر في جريدة الانباء في 20/01/1962)
نحن ندرك مع سائر اللبنانيين فداحة الاوضاع وخطورتها على حاضر اللبنانيين ومستقبلهم ، وعلى كيان لبنان ووجوده كدولة . فما من احد يجرؤ على انكار ذلك. وما من احد، مهما علا منصبه ، يعلم الى اين تتجه الامور ، فالجميع في لبنان في عهدة الرياح العاتية ، والامواج التي تتقاذفنا الى حيث تشاء، وسط فشل عام وعجز شامل عن اتخاذ ما يلزم من تدابير لتصويب البوصلة ، وانقاذ لبنان واللبنانيين. فالسلطة التشريعية لا زالت سجينة التخبط والشرذمة ، والسلطة الحكومية التنفيذية معطلة رغم تسمية النواب لرئيس مكلف بتشكيل حكومة جديدة من مهامها مباشرة اتخاذ الخطوات الكفيلة بإخراج البلد من ازماته. والسلطات الادارية التي يتآكلها الفساد وعدم الانتاجية تعاني من فوضى الاضراب والاقفال وتعطيل كل المسارات اليومية للمواطنين. والسلطة القضائية رهينة عند السياسيين والحكام المتخاصمين . يضاف الى ذلك الانهيارات المالية المتفاقمة ، والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية.
وفي الوقت ذاته ، يشعر كل لبناني ولبنانية ان هذا الوضع لا يمكنه ان يستمر ، مهما واجه هذا الشعب من اشاعات محبطة ومثيرة في آن . ومن قيود وضغوط وفبركة ملفات ، وعنتريات، فالناس استوعبوا الحقائق والهوة تزداد بين الشعب الذي يريد الامن والسلام والعيش الكريم ، وبين القيادات وارباب السلطة الذين لا همّ لهم سوى الاستمرار في الحكم ، لتحقيق المكاسب الشخصية والحزبية والمذهبية والفئوية ، وكل ذلك على حساب الوطن والمواطن.
وسط هذه الاجواء المحبطة في الداخل ، والتطورات المتسارعة في المنطقة ، والتي تعلو فيها الاتهامات ، وتتظهر الاصطفافات وترتفع وتيرة التهديدات ، وتتلبد الغيوم مؤشرة لحروب باردة اقليمية ، قد تتحول الى حروب حامية مدمرة ، تغرق منطقة الشرق الاوسط وتقضي على كل ما تحقق في بلدانها من عمران وازدهار وتقدم. ومن سوء حظ لبنان انه لأسباب شتى قد يكون في مهب رياح هذه الحروب.
وسط هذه المخاطر المحدقة ، وعلى ضوء كل ما اشرنا اليه من معاناة تواجه اللبنانيين ، يطرح السؤال نفسه : هل لا زالت التسوية ممكنة في لبنان ؟
المعلم كمال جنبلاط يصف لبنان على انه بلد العقلانية التي مهما تعقدت الامور ، تستطيع ان تجد للحل سبيلاً! وهو يرى الحل وطنياً، وليس طائفياً. فالنزعة الطائفية تباعد ، والوطنية تقرّب وتبني. العودة الى الدستور والتقيد بنصوصه وخاصة المقدمة، هي المؤشر السليم لنهج سياسة التهدئة واللقاء والحوار سبيلاً للخلاص والانقاذ. الطريق الى تحقيق ذلك ليست سهلة ، بل مزروعة بمطبات ومكائد، لكنها الوحيدة التي تتيح لنا الخروج من المآزق والمخاطر التي تحيق بنا.
محاولة اخيرة للانقاذ ترتسم في الافق وتتمثل في قدرة القيادات السياسة على التعالي عن كل ما يفرّق بين اطيافها ، والتلاقي على اختيار الشخص الانسب لتولي رئاسة الجمهورية ، فمفتاح الحلول في ايديهم ، والمواطنون يترقّبون ، ولا زالوا يأملون، والغد لناظره قريب وخيار الحياة اهم من خيار الموت ايا كان الدافع له.