ان ما افرزته الانتخابات الاميركية في الخامس من تشرين الثاني الحالي 2024، جاءت لتؤكد عملياً فشل الديموقراطية وتقاليدها العريقة في الولايات المتدة الاميركية ، وربما يتجه العالم على اثرها للسير في النهج ذاته. فما هي مقومات هذه الظاهرة التي اجتاحت اكبر بلد ديموقراطي في العالم الحديث؟ وماذا ستكون اصداؤها وتداعياتها على الداخل الاميركي وعلى الاوضاع في العالم الذي لا تزال الولايات المتحدة تتولى ادارته؟

بداية لا بد من تحديد ماهية هذه الظاهرة .فمن متابعة مسيرة صاحبها دونالد ترامب ، ومواكبة تصرفاته ومواقفه واحكامه المطلقة على الامور ، يمكن الاستنتاج انها ظاهرة شخصانية شعبوية اثبتت قدرة هائلة على تهييج وتجييش الجماهير وتوجيهها ساعة تشاء الى ما تريده منها وازاء اية قضية تحمل لواءها.

فعلى مدى سنوات في قلب الاحداث ، تأكدت صحة رهان ترامب على جمهور اراده على صورته ونهجه. لا يقيم اي وزن او قيمة للتقاليد الدستورية والمفاهيم المؤسساتية بما في ذلك تداول السلطة وقبول الاخر ، والفصل بين السلطات وعدم احترام القضاء واستقلاليته وحتى الاعلام . فاما ان تكون جميعها في خدمة طموحاته الشخصية او تكون مرفوضة ومن حقه المطلق تخطيها وتجاوزها بل حتى ادانتها بأبشع التهم المفبركة والمطلوبة منه غبّ الطلب.

الظاهرة الترامبية تنطلق دائماً من “الانا” .. انا الاحقّ .. انا الأكفأ … انا الاقدر… انا المنقذ. العناية الالهية انقذتني من الموت في محاولة الاغتيال لانها تطلب مني العمل على انقاذ العالم من ازماته، ومن نزعاته وحروبه. انا سأعمل على وقف الحروب وتحقيق السلام في العالم وسأجعله على صورتي ومثالي والاّ لن ارحم من يقف في سبيلي من خصوم سيحسبون في هذه الحالة محور الشر الواجب اقتلاعه.

تنطلق الترامبية في حملاتها الترويجية “لذاتها المميزة” من التحامل الشخصي والتجريح واطلاق التهم جزافاً على اي منافس ووصولا الى التحريض العلني على العصيان والفوضى.

من منا لا يتذكر رفض ترامب الاعتراف بهزيمته الانتخابية سنة 2020، و دفع الغوغاء الى اقتحام مبنى الكابيتول حيث مجلس الكونغرس ، رمز الديموقراطية الشرعية الانتخابية في الولايات المتحدة. ومن منا في حملته الانتخابية الاخيرة لا يتذكر تصريحاته وتهديداته، واصراره على انه الفائز مهما كانت الظروف ولن يعترف بأية نتيجة اخرى ، وربما سينتج عنها حرب اهلية في البلاد.

ترامب على قناعة تامة بانه لا يهزم لانه لا يخطئ وانه بالتالي فوق مستوى المحاسبة ، وانه هو الاعظم والاقدر على اعادة العظمة للولايات المتحدة المحتلة حالياً بالاوباش.

ترامب نجح، كاعتراف خصومه بنجاحه، وبذلك نجت الولايات المتحدة من مخاطر الانقسام والعصبية العنصرية المتطرفة ، بعد ان وصل هؤلاء الى السلطة .

 ترامب اطلق وعوداً كثيرة لعل ابرزها قوله انه سيوقّف الحروب ويعيد السلام الى العالم . ولكنه لم يقل كيف وعلى اية اسس؟ هل على اساس تطلعات امثاله في العالم ؟ أعلى اساس مشروع نتنياهو وفريقه العنصري المتطرف وحروبه المدمرة لمنطقة الشرق الاوسط واقامة شرق اوسط جديد برعاية اميركية وقيادة اسرائيلية؟ ام على اساس بوتين وحربه المدمرة على اوكرانيا التي تهدد القارة الاوروبية وسياسة ترامب المشجعة للعدوان وللاحزاب اليمينية المتطرفة التي تضرب الاتحاد الاوروبي وتهدد ؟؟؟

واخيراً ماذا عن لبنان بلد صهر ترامب المدلل الموعود بالسلام والازدهار فيما آلة القتل والتدمير تفتك به من اقرب اصدقاء ترامب الذي في اول اتصال للتهنئة بالفوز سمع من ترامب دعوة لإنجاز الانتصار الكامل لاسرائيل في منطقة الشرق الاوسط قبل تسلمه الرئاسة في العشرين من كانون الثاني 2025؟ الايام القادمة هي التي ستحكم على الواعد والوعود. وما اذا كان التسونامي الترامبي سيقود العالم الى السلام واي سلام؟