ان ما نشهده هذه الايام من دعوات للدولةالمدنية او اللامركزية الادارية والمالية او للفدرالية ، تصدر عن فئات ترفع رايات مذهية او طائفية ، لا يعدو كونه تلاعباً بغرائز البسطاء من الناس ، وخلفياته مصلحية شعبوية استغلالية. فالمطالب ، من منطلق مذهبي ، بالدولة المدنية ، يهدف لان تهيمن طائفته على سائر الطوائف، بفضل فائض العدد والغلبة التي تيسرت لهذا المذهب. والمطالب باللامركزية البلدية الادارية والمالية يأمل بأن يكسب ولاء الناس له في مناطق تواجده على حساب المرجعيات الاخرى في هذه المناطق بحيث تصبح تابعة لفئته السياسية يديرها كما يشاء بإسم الطائفة وبإسم حقوق هذه الطائفة التي هي في الواقع مصالح شخصية او فئوية، يستغلها لتقوبة نفوذه ، وزيادة مكاسبه ، واما المطالبة باعتماذ نظاماً فدرالياً للدولة اللبنانية ، فيشكل قفزة في المجهول ، حيث ان التركيبة اللبنانية التعددية لا تسمح في الجنوح لهكذا قفزة يتعذر اقناع كافة مكونات الشعب اللبناني بها، فتتحول عملياً الى دعوة تقسيمية تقدم الولاء المناطقي والطائفي على الولاء الوطني ، وتلغي الوطن اللبناني والكيان اللبناني، وتشرذمه الى كيانات متناحرة وربما متقاتلة، وليس هذا طبعاً ما يريده لها المطالبون عن حسن نية بها.
ومن جديد نعيد طرح السؤال الاساسي على جميع ارباب السياسة والحكم والقرار في لبنان: هل العلّة في ما يعاني منه لبنان اليوم هي في النظام ام في المنظومة؟
مما لا شك فيه ان اقامة الدولة اللبنانية في الاساس على منطلقات طائفية سياسية ، عطّل عمل هذه الدولة وربط كل ما هو مطلوب القيام به بالتوافق بين المرجعيات الطائفية السياسية وتقاسم الحصص، بحيث تحولت الدولة اللبنانية الى كونفدرالية طوائفية . اذا اتفق ارباب السياسة والسلطة على حلول معينة ، يكون ذلك تقاسماً للمكاسب فيما بينهم، واذا اختلفوا تناكفوا وتقاتلوا بالاتباع والمتحزّبين. والامثلة كثيرة عما شهده لبنان من ازمات وصدامات مسلحة منذ قيام الدولة اللبنانية الى اليوم . وكل محاولات الاصلاح فشلت لأن القائمين عليها كانت منطلقاتهم مصلحية وطائفية وفئوية ، حتى المحاولة الاصلاحية التي توافق النواب على اعتمادها في اتفاق الطائف، والتي اصبحت دستوراً للبنان سنة 1991، ودعت الى الغاء الطائفية السياسية واعتماد قانون للانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية خارج القيد الطائفي ، وحفظ حقوق الطوائف بانتخاب مجلس للشيوخ، ونقل لبنان على مراحل الى نظام الدولة المدنية الراعية والحامية والجامعة والعادلة ، دون تمييز بين مواطن واخر على اساس المذهب او الجنس او المنطقة ، تعمل على تحقيق الانماء المتوازن والمستدام بالاعتماد على اللامركزية الادارية الموسعة .
وهنا يأتي دور المنظومة التي يتبادل اركانها اليوم الاتهامات وتحميل بعضهم البعض مسؤولية افشال المحاولة ، رغم انهم جميعاً تشاركوا في السلطات القائمة على اختلافها في التشريع او الحكم او المال او القضاء ، فتناسوا الاقدام على الاصلاح المرحلي واستمروا في تقاسم النفوذ والمنافع على حساب الوطن والمواطن. وهذا ما اوصلتنا اليه المنظومة اليوم ، انهيار تام لمؤسسات الدولة وتعطيل متبادل للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والمالية والرقابية والادارية، ومعاناة شاملة على المستوى الشعبي .
الى ارباب المنظومة الذين تسلّحوا بمطلب حكومات الوحدة الوطنية والتوافقية الملغومة من الداخل تحت شعار الثلث المعطل والاعتماد على قانون معلّب للانتخابات ينتج مجالس نيابية عاجزة عن المحاسبة وعن التشريع، او التمسك بحقائب وزارية معينة بحجة انها من حق مذهب معين او حزب او تيار معين .
الى هؤلاء جميعاً نقول: ان الدعوة الى الدولة المدنية او الى اللامركزية الادارية والمالية او الفدرالية حتى ، لا تستقيم وغير قابلة للتحقيق قبل اللقاء والتخلي عن المطالب الشخصية او المذهبية او الفئوية ، للتحاور والتفاهم لاعادة بناء الدولة المركزية الكاملة الصلاحيات ، والباسطة سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية، والقادرة على وضع خطة شاملة للانقاذ الوطني من المعاناة الشاملة واعادة العلاقات السليمة للبنان مع الخارج على اساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى، وعدم الارتباط بأي محور او معسكر.
وعندما يتحقق كل ما سبق ، تستطيع السلطة المركزية اعتماد اللامركزية الادارية الموسعة والتنازل عن بعض صلاحياتها للهيئات الاقليمية المنتخبة الاكثر دراية بما تحتاجه هذه المنطقة او تلك، شرط ان تحتفظ السلطة المركزية بالاشراف الرقابي والمحاسبي على الهيئات اللامركزية. وفي غياب اي من هذه الشروط يصبح من العبث التحدث عن افضلية اي نظام بديل عن النظام القائم ، حيث تتحول الدعوة الى اللامركزية الى تقسيم مذهبي مناطقي ، والدولة المدنية الى خدعة مموّهة ، والفدرالية الى تفكيك للكيان ولزوال لمفهوم المواطنة التي يحلّ محلها مفهوم الولاء للطائفة او للمذهب ، وعندئذ يصحّ القول: “على لبنان واللبنايين السلام!!”