تضع ظروف ما بعد الحرب العربية الاسرائيلية (1973) العرب امام اختيارين :
اولاً: اما اعتماد مرحلة انتصارهم النسبي وصمودهم الذي تجلّى بشكل رائع ، منطلقاً لمعركة تحرير طويلة الامد، مديدة النفس ، على غرار ما وقع لهم مع الصليبيين قبل طردهم النهائي من هذا الشاطئ، وجميع الامكانيات متوفرة لهم – المالية والاقتصادية والشعبية والمعنوية والعددية لاجل بلوغ هدفهم في تحرير فلسطين وسائر الاراضي العربية.
ثانياً: واما الانسياق في عملية تسوية، قد تحصل وقد لا تحصل ، وقد تكون حلاً نهائياً او هدنة للاستعداد لجولة اخرى من الصراع ، ولكنها قد لا تكون في نظرنا متوافقة مع اهداف التحرر الاخير ، اي لا تفرض الحل الفلسطيني العادل.
الاتجاه والخيار الاول يفرض تغذية وتنمية الاجماع العربي واستمراره ، لانه القوة الكبرى في تقرير المصير وجمع وتأليب العالم الثالث والعالم الاسلامي حول القضية .
ان في وسع العرب اليوم ان يكونوا رأساً طبيعياً للعالم الثالث كله ، فوق اعتبارهم – كمجموعة – الرأس الموجّه للعالم الاسلامي كله ، ولا يعزّ الاسلام الا باعتزاز العرب وبحبوحة قدراتهم وسلطانهم.
اننا نميل في الواقغ الى الصراع النضالي الطويل بعد ان تكشفت القدرة المعنوية والبشرية العربية ، فاحساس العربي بأنه بلغ عمق المهانة والذل ّ المعنوي يقفز من ضد الى عكسه ، وفق قاعدة تحول كل شيء الى ضده عندما يبلغ حدّه. وهي القاعدة التي عرفها الناس منذ اقصى عمق التاريخ :
اذا تمّ شيء بدأ نقصه ترقّب زوالاً اذا قيل تمّ
ثم اننا نعتقد مخلصين ان ثمة صعوبات عدة في وجه اي اتفاق يمكن ان يرضى عنه العرب . فعلى العرب ان يفيدوا من الهدنة المؤقتة لكي يتسلحوا ويتدربوا ويؤمنوا المال – والنفط العربي نهر من المال – لكي يكسبوا الاعوان ، ويجعلوا اوروبا الى جانبهم ، وان يحافظوا على تأييد العالم الثالث والعالم الاسلامي لكي يستطيعوا ان يقفوا ظافرين في وجه الوحش الذي يتمثّل في القيادة السياسية الاميركية التي تمدّ اسرائيل على الدوام بالعون المطلق، خلافاً لكلا منطق للمبادئ والمصالح والعقل السليم.
عسى ان تكون نهاية الوحشين – وحش حضارة الاستهلاك الاميركية والوحش العنصري الاسرائيلي “الصاعد من البحر” اي الذي جاء الى فلسطين بواسطة البحر – هي ذاتها.
(المرجع: افتتاحيته لجريدة الانباء بتاريخ 26/10/1973، وردت في الصفحة 876 من كتابه “فلسطين … قضية شعب … وتاريخ وطن”)