مع انحدار وتدني القيم المعنوية ، لم يعد للحضارة مفهوم سوى الاثراء والتنعم المادي وفرض سلطة المال وتتميم ما في مرايا النفس من نزوات ، والتغيير والتبديل المستمر في اغراض الاستهلاك ، وخلق الجديد المتجدد كل يوم على الدوام. كأن الانسان قد اضحى عبداً لما يبصر ولما يسمع ولما يشمّ ولما يتذوق، ولما ينحط به ولما يتلهى . ففي يده قيد ، وعلى رجله قيد ، وعلى لسانه قيد ، وعلى جوارحه وافكاره وعواطفه قيود. فالحضارة القائمة قد خلقت لمختلف نشاطاته الفكرية والجسدية قوالب واطارات واغراض يتزايد عددها كل يوم ، والناس في قشور حواسهم ممعنون متصرفون لاهون ، ولا يفطنون ان الحقيقة وان السعادة هي فيهم وليست فيما تبتدعه لهم الالة من حاجات وتقدمه لهم من اغراض. وانهم عبثاُ في الخارج يفتشون. ان الحضارة التقنية القائمة هي ليست بحضارة، لان الحضارة الحقيقية لا تقوم في خارج الانسان بل في داخله. انها في الشخص اي في المدرك ، لان في الاشياء والاغراض اي في المدروكات. الحضارة الحقيقية تنزع الى تحرير الانسان ، الى جعله اكثر فاكثر حرية.
وفي الحقيقة ، قليلاً ما شاهد البشر، على مر التاريخ ، عبودية اقوى واخطر واشد رباطاً للعقول وتأثيراً في النفوس من عبودية العصر الحاضر، عصر الحديد والالة … والخطر من ذلك ان الناس ، في حركة سعيهم المستمرة وراء الاغراض الحضارية الجديدة لا يفطنون بداهة الى ما هم عليه من تعام ومن استرقاق نفسي، يزيد في كل يوم تنزلاً في طيات اللاوعي وفي عادات الحياة اليومية ، فلا يتعطلون الا عندما يوافيهم موكب الالم لما انصرفوا عنه اليه ، او عندما تقع الكارثة .
على الشرقيين منا الذين ويا للسف، يجذبهم تقليد الافرنج الاعمى ، ان يدركوا حقيقة الازمة الحضارية المنعكسة في الازمة النفسية الهائلة التي يعانيها الغرب وشعوبه ، على الشرقيين ان يعودوا الى جوهر حضاراتهم القديمة ، فلا يقتبسوا من جديد الغرب الا ما يتفق مع حاجات الانسان الحقيقية ، اي مع متطلبات حقيقة الانسان .”
(المرجع: كتابه “محطات انسانية وفكرية وسياسية في تاريخ النضال” ص. 125)