الثورات التكنولوجية السريعة والمكثفة والمتعاقبة انتجت مجتمعات جديدة، وقربت المسافات وغيرت المفاهيم والوقائع بين الاقوياء والضعفاء والاغنياء والفقراء وبين الدول المتقدمة والمتخلفة، وتلك المعايير كانت قد تحكمت بالوعي البشري ما بعد الحرب العالمية الاولى ومؤتمر فرساي وتاسيس عصبة الامم بين الدول المنتصرة في الحرب وانتشار ثقافة دول الوصاية والانتداب بحيث اصبحت الدول الصغرى غنائم تتقاسمها الدول الكبرى المنتصرة بالحروب العالمية، وهذا المفهوم تجسد اكثر فاكثر مع نتائج الحرب العالمية الثانية ووضع ميثاق الامم المتحدة وشرعة حقوق الانسان، وتلك المعايير كانت مجرد تعابير انشائية على الاوراق وبقيت البشرية ما بعد الحرب العالمية الثانية تعتمد على معايير الاقوياء والضعفاء والاغنياء والفقراء والعبيد والاسياد.

            بداية الحرب الباردة السابقة وخلال فترة الستينات من القرن الماضي شهد العالم موجة افكار واحزاب و تقابلات تنافسية بين اليمين واليسار في اطر متعدد ومختلفة، وكانت هناك تباينات كثيرة بين الحركات والافكار والاتجاهات والاختلاف داخل الحركات اليسارية كان اكبر مما هو بين اليمين واليسار، ولا بد من مراجعة تجليات تلك الحقبة قبل الدخول في حرب باردة جديدة في عالم مغاير وشديد التواصل والتداخل والتعارف نتيجة الثورات التكنولوجية، لان الاجيال الجديدة يتعرفون على العالم عبر اجهزة التواصل الاجتماعي المكثفة ويلعب الاطفال في الصين مع الاطفال في البرازيل ولبنان ويتعرفون على بعضهم وعلى اوطانهم بمشكل مختلف عما نسمعه ونشاهده عبر نشرات الاخبار.

            هناك فهم ملتبس عن الحرب الباردة القادمة بين الصين واميركا بحيث يكثر الحديث عنها بما هي امتداد او تطور للحرب الاوكرانية الساخنة، وذلك نتيجة انكشاف هشاشة النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة وانتصار اميركا على الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية بعد استخدام الاديان والقوميات في مواجهة الشيوعية في غرب اسيا وشرق اوروبا، مما ادى الى انهيار التنافسية العالمية وظهور الاحادية الاميركية والتي ادت الى خسارة ثقة حلفائها الاوروبيين والعرب والمسلمين والمسيحيين وفقدت هيبتها في احداث ١١ ايلول ٢٠٠١ وعادت الى الحروب الحامية والاحتلالات في افغانستان والعراق بالاضافة الى الانخراط في هندسة النزاعات والفوضى الخلاقة في الشرق الاوسط الجديد والحزين.

            انتقلت البشرية ما بعد وباء كورونا خلال ساعات من عالم كبير الى قرية كونية صغيرة انتشر فيها الوباء واقفلت القرية الكونية المتاجر والادارات والمطارات والمدارس وتباعد الجميع في منازلهم وتوقفت كل مفاعيل القوة والتفوق واصبحت كل الاخبار العالمية تتحدث عن الالاف من الضحايا والملايين من الاصابات بالوباء، كانت ايام فاصلة بين بشرية واخرى بما يشبه الاحاديث التاريخية عن الطاعون او اكتشاف البنسلين حيث تلاشت ثقافة الاقوياء والضعفاء واستجدت ثقافة سلامة البشرية الواحدة والسعي الى ايجاد اللقاح، وازمة الوباء اعادت احياء ثقافة حماية المناخ وكيف ان الارض ذاهبة نحو الطوفان والزوال ما لم تتوقف سياسة الاستقواء وصناعات الدمار.

            الحرب الباردة القادمة بين الصين واميركا لن تشبه الحرب الباردة السابقة لجهة الادوات والاهداف نتيجة التطور التكنولوجي والاختلاف العرقي والديني والقومي في شرق اسيا، وربما يكون الغرب قد تعلم من دروس الحرب الباردة السابقة بعد ان ارتدت التيارات القومية والدينية والعنصرية على الغرب واصبحت تهدد وحدة المجتمعات الغربية كما فعلت بالمجتمعات الشيوعيه ، ولا بد من اعادة تعريف القيم الاساسية للحرب الباردة بما هي اعتماد التنافسية في كافة المجالات، اي لا مانع من ان اكون انا الاول وانت الثاني في هذا المجال او ان اكون الثاني وانت الاول في مجال اخر، وهذا ما عرفته البشرية خلال حقبات النهوض والحضارات واندماج الطاقات البشرية الخلاقة في هويات متجددة والتنافس على الخلق والابداع والاكتشاف وعلى ضرورة سلامة الاخر في كافة المجالات والتكامل في المعارف والابتكارات والفنون والألعاب الرياضية التنافسية.

            الحروب الساخنة ذهب ضحيتها عشرات الملايين من القتلى والمشردين ناهيك عن تدمير الوعي الانساني والعمراني وانعدام ثقة الانسان بالانسان، ومصطلح الحرب الباردة جاء بعد استخدام اميركا السلاح النووي في هيروشيما و نكازاكي في ٦ و ٩ اب ١٩٤٥ وبعد ان اصبحت العديد من الدول تمتلك قوة تدميرية نووية لعشرات الكواكب كالارض، ويتجدد الحديث عن الحرب الباردة نتيجة الخوف من تطور الحرب الاوكرانية واستخدام السلاح النووي من جديد، وبذلك تكون الحرب الباردة تنافسية وغير نووية، و هي لقاح البشرية من وباء الحرب النووية.