يضع تأميم قناة السويس ، ربما لأول مرة بهذا الشكل الصريح السافر والشامل اكثر دول الغرب الكبرى من جهة ، ومصر والدول العربية من جهة اخرى ، في مواجهة ومقابلة قد تكون كاملة ، لفريق في وجه فريق اخر… فقد كانت الدول العربية تواجه حتى الساعة اكثر الاحيان ، مشكلة مع هذه الدولة الغربية او تلك، فتعتمد على الاقل، على حياد احدى الدول الكبرى . ان لم يكن على تأييدها الظاهر او الخفي في عملية تناقض الاستعمار وتزاحمه على النفوذ.
اما في موضوع “تأميم قناة السويس”، فان الامر كان على عكس ذلك ، نظراً لخطورة هذا الممر المائي الدولي الذي يربط بين اوروبا وجنوب شرقي آسيا والشرق الاقصى وشواطئ افريقيا الشرقية. كما ان مصالح الولايات المتحدة الاميركية في حقول البترول وامر نقله الى البحر المتوسط تفرض عليها الاهتمام في هذا الحقل على الاقل.
الحقيقة الواقعة هي ان قضية قناة السويس وتأميمها ما كانت لتثير مثل ما اثارته من صخب واحتجاج اكثره مصطنع في دوائر الغرب الكبرى السياسية لولا عاملين:
1- ان اسرائيل قد تمنع من استخدام قناة السويس …. ويعلم الجميع ما يستطيعه اليهود من قدرة على الاذاعة في الصحف والاذاعات والاندية في اميركا واوروبا… فقد يكونون هم الذين يصرخون اكثر مما يصرخ الغرب ذاته.
2- لان الصراع بين العالم العربي وبين الغرب ، اخذ يرتدي طابع نزاع كبير بين ضفتي البحر المتوسط
على ان الايام التي نمرّ بها تتطلب منّا البصيرة الواسعة والجرأة المقرونة بالحكمة وعدم التهوّر.
(المرجع: مقال له نشرته جريدة الانباء بتاريخ 3/8/1956)