مؤسسات “بريتون وودز” الثلاثة ترعى الاقتصاد الدولي بشكل أو آخر منذ 1945 ولا بدأئل عنها حتى اليوم. فالبنك الدولي يتعاطى بشؤون التنمية وصندوق النقد بالاستقرار المالي والنقدي، أما مؤسسة “الغات” فحاولت تأمين حرية التجارة الدولية عبر قواعد ومواصفات يلتزم بها الأعضاء. استبدلت “الغات” بمنظمة التجارة العالمية WTO في سنة 1995 لأن مهمات المنظمة أوسع بكثير من “الغات”. هي لا تراقب فقط حرية تجارة السلع بل حرية الخدمات أيضا كما تشمل صلاحيتها كل جوانب حماية الملكية الفكرية والأدبية والفنية وغيرها. هنالك جهاز مهم داخل المنظمة لفض النزاعات التجارية بين الدول الأعضاء.
البنك والصندوق يقرضان، أما المنظمة فتراقب وتنظم فقط. كان من المفترض أن تنجح المنظمة أكثر بكثير، لكن عوائق جدية حصلت في وجهها، منها سياسية وأخرى ادارية وغيرها. أما اليوم فالعوائق الأساسية في وجهها هي السياسات التي تقيد حرية التجارة الدولية كالسياسات الصناعية منها الدعم ومجمل المواصفات الاصطناعية المقيدة للتبادل. مع التحديات التي تواجه التجارة العالمية وبالتحديد سياسات التعريفات الجمركية التي يمارسها الرئيس ترامب بعشوائية ومزاجية ضد الخصوم والحلفاء، المطلوب اليوم احياء المنظمة بسرعة في قوتها ونفوذها لأن الحاجة لها كبيرة. رئيس البنك الدولي كان دائما أميركيا، مدير عام صندوق النقد كان عموما أوروبيا. أما مدير عام منظمة التجارة العالمية، فيكون عموما من دول خارج المجموعتين السابقتين واليوم تديرها سيدة من نيجيريا.
المطلوب احياء المنظمة واعطائها كافة الموارد البشرية والتقنية والمالية لتقوم بعملها على أكمل وجه. فالاقتصاديون يختلفون على الكثير، لكنهم مجمعون على أن حرية التجارة مهمة جدا للنمو ولتعزيز فرص التنمية. عندما تستعمل التعريفات الجمركية كسلاح سياسي في وجه المنافسين، تبتعد عن سبب وجودها الأساسي كداعم للتنمية في الاقتصادات المختلفة. من أهم تحديات منظمة التجارة العالمية انهاء الجولة التاسعة من المفاوضات التجارية الدولية أي “جولة الدوحة” مما يعزز العلاقات بين الدول ويقربها اقتصاديا بعضها من بعض.
تختلف هيكلية المنظمة جدا عن هيكلية البنك وصندوق النقد الدوليين اذ لكل دولة في المنظمة صوت واحد، أما في المؤسستين الأخرتين فالتصويت يوازي حصة الدولة في رأس المال. المنظمة هي اذا أكثر ديموقراطية وعادلة وربما لهذا السبب أيضا هي غير فاعلة. أما القرارات فتؤخذ بالاجماع مما يبطئ عملها كثيرا ويشل قدرتها على التحرك ايجابا. تضم المنظمة 166 دولة كأعضاء يغطون الأكثرية الساحقة من حجم التجارة الدولية. انضمت الصين اليها في 2001 وروسيا في 2012. لبنان للأسف لم يصبح عضوا بعد في المنظمة بالرغم من المحاولات الشاقة التي بذلها مسؤولو الاقتصاد الرسميين على مدى عقود. دخول لبنان اليها يشكل قفزة نوعية للاقتصاد يمكن الاستفادة منها لجذب الاستثمارات الحيوية ورفع أسم لبنان عاليا أكثر.
هنالك حواجز داخلية أمام انضمام لبنان الى المنظمة مماثلة لطبيعة الحواجز التي تعيق توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي. تبعا لاحصائيات المنظمة، بلغ الناتج المحلي الاجمالي للبنان 24 مليار دولار أو 6500 دولار كناتج فردي وهذا متواضع جدا. يمكن لاحصائيات مؤسسات مختلفة أن تكون متباينة، لكن جميعها تشير الى وضعنا المتواضع كاقتصاد وكأفراد. ميزان الحساب الجاري اللبناني عاجز طبعا لأن واردات السلع تبلغ تقريبا 5 مرات الصادرات مما يشكل فجوة كبيرة يجب تصغيرها. أما ميزان الخدمات ففائض لكنه بعيد عن حجم العجز السلعي التجاري. ميزان رأس المال هو المنقذ.
الانجاز الأكبر في عمل المنظمة هو استطاعتها فض العديد من النزاعات بين الدول بحيث أراحت الجميع بفضل الثقة التي تمتعت بها والتي انحدرت مؤخرا. ما يدعو للعجب هو أن أهم النزاعات المقدمة الى أجهزة المنظمة هي بين الدول الغربية التي تتهم بعضها البعض بخرق قواعد الحرية التجارية التي وضعتها. من التحديات الكبيرة التي تواجه المنظمة هي الاتفاق على آلية لتحرير التبادل السلعي الزراعي العالمي أي ادخال القطاعات الزراعية ضمن اتفاقيات المنظمة وهذا ما يقلق الدول الغربية خاصة. يريد الغرب التأكد من حسن تطبيق اتفاقية حماية الملكية الفكرية وتطويرها وهذا ما يقلق الدول النامية.
فالدول الغربية في معظمها تدعم قطاعاتها الزراعية بسخاء ولا تناسبها رفع الحماية لأسباب اقتصادية وسياسية داخلية. على عكس ما يعتقد البعض، من مصلحة مجموعة الدول النامية ادخال الزراعة في اتفاقيات المنظمة بحيث يخف الدعم في الاقتصادات الغربية. أما تطبيق حماية الملكية الفكرية وتطويرها لتشمل كافة أنواع الفكر، فيقلق الدول الفقيرة لتأثيره السلبي المحتمل على سرعة توافر وتكلفة المنتجات الغربية المستوردة، التربوية منها خاصة.
تشكل “الصين الشعبية” نواة المنطقة الصينية التي تأخذ أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي. تضم المنطقة الصينية “تايوان” الشهيرة بصناعاتها وبالتكنولوجيا المعتمدة، “هونغ كونغ” المعروفة بقطاعها الخاص المتطور، “سنغافورة” المجهزة ربما بأفضل شبكة للاتصالات في العالم، بالاضافة طبعا الى الصين الشعبية صاحبة الموارد البشرية والطبيعية الهائلة. سيشكل الاقتصاد الصيني احدى الركائز الرئيسية التي سيبنى عليها اقتصاد الألفية الثالثة. أما السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا نجحت الصين اقتصاديا وفشلت روسيا بالرغم من اعتمادهما لعقود للاقتصاد الشيوعي؟
الفارق الرئيسي بين الاقتصادين هو أن القطاع الخاص الصيني ازدهر بينما تقلص القطاع الروسي. ساعدت الصين قوة وحكمة السلطة المركزية التي وجهت السلطات المحلية كي تعطي أفضل ما عندها للقطاع الخاص، بينما التهت السلطات الروسية في تغيير الحكومات وتبديل الرؤساء وتوسيع دوائر الفساد بالاضافة طبعا الى مشاركتها في حروب مجاورة آخرها ربما أوكرانيا. غير الانضمام الى منظمة التجارة العالمية هيكلية الاقتصاد الصيني بحيث خفت العمالة في الزراعة وزادت في الصناعة والخدمات. تبقى المسيرة طويلة وشاقة لنقل الصين الى مستويات الدول الغربية، لكنها على الطريق الصحيح.