إن الأيام التي نمر بها تتطلب منا في كل حال البصيرة الواسعة والجرأة المقرونة بالحكمة وبعدم التهور، وأن لا نحول الصراع العظيم الذي نمر به مع أنفسنا ومع العالم إلى نزاع صغير على كسب هذا الشيء أو غيره. وهي مكاسب وانتصارات لا بد منها والحصول عليها في طريقنا نحو الهدف. ذلك أن كل كسب ينطلق من التفكير الخاطئ والتبجع غير العاقل يؤدي إلى التهور والمغامرات غير المحسوبة. فمثل هؤلاء يعتبرون كل كسب متسرع انتصارا ساحقاً وكل فوز أو تقدم هو أخذ بالثأر. وكل ربح في أية قضية هو تشليح للآخرين وليس إعادة للحق. إنني أخاف من الذين يصفقون لكل بطل في الشرق المريض بانغلاق تعصب وبمركب الضعف المستوطن في ثنايا نفسه. أخاف منهم وعليهم أن يحولوا هدف المعركة الأساسية إلى غير ما هي عليه. ومثل هذا الارتفاع إلى المستوى اللائق بنا كأفراد وكشعوب يطلب منّا اليوم أكثر من أي يوم مضى وزمن آخر. فالدنيا تدور معنا ولمصالحنا. ولكن يجب أن لا تجعل رؤوسنا يصيبها الدوار. إن الاستعمار السياسي زائل حتما وهو في مرحلة الاحتضار والزوال. وقد يجيء يوم وتنحل فيه ربما قضية إسرائيل ذاتها لصالح العرب. ذلك هو التحدي مع أنفسنا الذي يثيره في كل نصر نحصل عليه في الطريق الصاعدة بنا نحو الحرية السياسية ونحو الازدهار الاقتصادي ونحو التمرس بحياة الكرامة.
( المرجع من مقال له نشرته جريدة الأنباء بتاريخ 3/8/1956).