نادرًا ما أشارك في يوم مخصّص للمرأة أو للأم. أفضِّل القول، نحن في يوم للإنسان، يوم للحقوق. هذا ما تعنيه لي كلمة امرأة وأمّ. أمّا عن المشاركة في النضال من أجل حقوق منتهكة للمرأة، وبوجهِ أنواع عنفٍ عديدة وقعت على المرأة، فهذا نضالٌ أتمنّى بالتأكيد أن أُسهِم فيه. وأتمنّى للمرأة، وللأمّ، في شهر آذار الذي يحتفي بها في لبنان، أن تحتفل هي دومًا بكونها إنسانة أولاً والباقي يأتي… برتراند راسل، الأديب والمفكِّر السلمي، كان يردّد “تذكّر إنسانيّتك وانسَ الباقي”، ليس الإنسانيّة بمعنى العمل الخيري والشفقة، بل لتذكّر الصفة الأساس في وجودنا، الإنسان، ومن هذه الصفة يرتسم وجودنا وتتأكّد حقوقنا.

بدايةً، تحيّة منّي للمرأة للأمّ في فلسطين وفي غزّة الآن، وفي جنوب لبنان.

في كلمتي القصيرة، ثلاث أفكار، ربّما تهمّكِ، وتلفت أيضًا من يهتمّ بكِ، نساءً ورجالاً، من دون تصنيف.

الفكرة الأولى. كلّما تحدّثنا عن المرأة، أرى نفسي أُخبِر عن نساءٍ رائدات، تبدّل وجه “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” بفضلهنَ. هنَّ نساءٌ، وهنَّ أمّهات، وبالتحديد من دول من خارج الغرب (المتقدِّم)، من مجتمعات وبلدان كانت لا تزال إمّا مستعمرة أو طالعة من حرب ونزاعات، بلدان فيها تقاليد اجتماعية ودينية متشدّدة، ومع ذلك انتفضنَ، ليس لصالح المرأة وحسب، بل لعدالة الإنسان، رجالاً ونساءً. عمّ نتحدّث؟ المادة الأولى في الإعلان العالمي، كانت صياغتها هكذا: «يولد الرجال متساوين وأحرارًا…»، فاعترضت عليها ممثّلة دولة الهند، هينسا ميهتا، تلميذة غاندي، وعدّلتها وتمّت الموافقة لاعتمادها كالآتي: «يولد الناس متساوين وأحرارًا…». لم تقلْ “يولد الرجال والنساء” أو تقع في فخّ العدائية تجاه الرجل، بل ارتقت إلى الكلمة الجوهر “الإنسان”: يولد الناس all human beings”. تخيّلوا لو كان الإعلان العالمي بقي على صياغته الذكوريّة الأولى! المادة 16 من هذا الإعلان، أسهمت في تعديلها، مع ممثّلة الهند ميهتا، ممثّلة دولة باكستان، بيغوم شيستا إكرام الله، حيث صارت كالآتي: (1) للرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، حقُّ التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله. (2) لا يُعقَد الزواجُ إلاَّ برضى الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملً لا إكراهَ فيه”. هكذا باتت هذه المادة لكلّ امرأة، لكلّ أمّ، في صميم المساواة، لاسيّما بوجه تقاليد الأسرة التي تزوّج الفتاة القاصر وتميّز في الحقوق والكرامة. أمّا ديباجة الإعلان، أي المقدّمة التي تختصر روحيّته، فقامت مينرفا برناندينو، ممثّة جمهورية الدومينيكان، بتعديل مفرداتها كي تكون بالتساوي بين النساء والرجال. وهكذا صار. ما قمنَ به، لم يكن مجرّد دور سياسي أو دبلوماسي في لجان الأمم المتحدة، بل فكر رؤيويّ ونموذج لنضالٍ لاعنفي، حيث الحِكمة الإنسانيّة وشجاعة المواجهة وأيضًا عدم الرفض وحسب بل تقديم البدائل البنّاءة. فشكرًا.

الفكرة الثانية. لا يمكن للمرأة، وللأمّ، في لبنان، أن تكون لها حقوقها وكرامتها كإنسان، وكمواطنة، إلاّ بتعديل قوانين الأحوال الشخصيّة، قوانين الأسرة، إلاّ بإقرار قانون لبناني مدني للأحوال الشخصيّة. تعلمين أنّني كرّستُ جهودي في الأبحاث وفي النضال طويلاً من أجل هذا الحقّ، ونحن برأيي على مسافة قصيرة من إقرار هذا القانون، فلمَ لا تنتفضين وتهزّين دوائر المنع والتخلّف، من أجلك، من أجل أمّك، ابنتك، من أجل كلّ الأمّهات والنساء، ومعهنَ كلّ رجل بطبيعة الحال!؟ ما معنى أن تكوني معلّمة أجيال، مديرة، فنّانة، كاتبة، نائبة، وزيرة، وجه اجتماعي، إلخ، وأنتِ تخضعين في أحوالك الشخصيّة بين جدران منزلك وأسرتك، لقوانين تكرّس الرجل “ربًّا” عليك! يحرمك من ابنك وابنتك! يتزوّج عليك! يرث حصة كاملة وأنتِ نصف! له اختيار السكن والمكان المنزلي! يطلّقك بكلمة! شهادته القانونية كاملة وأنتِ كلّ امرأتين لتعادلا رجلاً! تُلزَمين تغيير دينك! … نعلم أنّ القوانين السائدة تختلف في بعض البنود بين طائفة وأخرى، لكنّ المرأة الأمّ اللبنانيّة مسؤولة عن كلّ امرأة وأمّ لبنانيّة بغضّ النظر عن الفروقات في القوانين. إنّها قضيّتك الأولى، وهي في الوقت عينه المدخل الأساس برأيي لخرق النظام الطائفي الذي يُمسِك بالمجتمع من باب الأسرة بالذات وأكثر بكثير من أبواب السياسة. أنتِ أمّ، الغالية في حياة كلّ رجل، لكنّك ستبقين “أقلّ منه” بموجب قوانين الأسرة تلك. أحوالك الشخصيّة هي ميزان حياتك، ميزان صحّتك، وميزان صحّة المجتمع، ونحن في لبنان لسنا بصحّة جيّدة في هذا المجال، والوجع مستمرّ، فأين العيد!

فكرتي الثالثة لكِ. أودّ أن أرى الأمّ تحيّي نفسها وتفرح لتكريمها، متى كانت تربّي أولادها، بنات وصبيان، على سلوك اللاعنف. تربّيهم كي لا ينزلقوا إلى الشرّ، كي لا يشتموا، يقتلوا، يحقدوا ويتعصّبوا، يخضعوا ويتبعوا، يؤيّدوا الاقتتال والحروب، يتنافسوا بأنانيّة، يتزلّفوا ويفسدوا… تربّيهم فلا تقول “تقبرني” وهو قد ضرب أحدًا قبل قليل أو تشاطر وارتكب فسادًا أو سواه… كيف تكون الأمّ رمزًا للإلفة والأخلاقيّات، إنْ لم تنمِّ في أولادها أولاً مقدرة اللاعنف؟ لقد ثبت علميًّا أنّ الإنسان لديه مقدرة العنف ومقدرة اللاعنف معًا، ويتوقّف على التربية والبيئة المحيطة بشكل جوهريّ تعزيز هذه المقدرة أو تلك، وبالتالي الأمل موجود في إعادة تربية النفوس والعقول باتجاه ثقافة اللاعنف. والأمّ هي حلقة مفصليّة في هذه الخلاصة العلميّة. لم يبتكر المهاتما غاندي مصطلح “لاعنف” كي يعني به تأييد الخير أحيانًا وتأييد القتل واللاأخلاق أحيانًا أخرى. كان جذريًّا في فكرته. أمّه كانت الركن الأساس في وعيه الضميري، كما يقول. لقد ابتكر المصطلح منذ قرن، عام 1920، فدخلت الكلمة في التاريخ، في سائر أطر المجتمعات، هديّة لنا جميعًا، لتصحيح ما فينا وما في التاريخ. أراد لهذه الكلمة أن تكون لا للأذى، أن تكون القوة والشجاعة لا الجبن، ومواجهة الظلم ومقاومته بغير العنف. أن تكون تربية الضمير، ليغدو في نشاطٍ دائم، “في عرسٍ متواصل” كما يقول المثل، فالاتكال بالنهاية هو على هذا الضمير. الأمّ ضميرٌ في حياتنا. ليست وظيفة منزليّة أو سواها. ليست فِعل إنجاب أو سواه. إنّها الصِلة كي نكون في الخير، ليس فقط لأولادها كما درجت عادة الأنانيّة، بل الخير أيضًا لكلّ إنسان كما لقضايا المجتمع المحقّة. إنْ دخل العنف إلى التربية، لا تعود تربية، نسمّيها أمرًا آخر. كلمتي لكِ أيّتها الأمّ أن تحتفي بنفسك في يوم الأمّ من خلال لاعنف أولادك، لاعنفكِ، ومن خلال حقوقكِ. كلّ سنة وأنتِ بخير.

أوغاريت يونان

مؤسِّسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان AUNOHR