في العشرين من شهر كانون الثاني ٢٠٢٥ أصبح دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية وسجل اندفاعة غير مسبوقة في البلاد : مراسيم وقرارات وأوامر رئاسية وتصاريح متناقضة بالعشرات اتخذها خلال اليوم الأول من ممارسته للسلطة . قابلها الكثيرون في الداخل كما في سائر أنحاء العالم بطرح العديد من الأسئلة المصيرية وأبرزها الولايات المتحدة والعالم في ولاية ترامب الثانية إلى أين؟ وأي مصير؟
المعروف عن الرئيس ترامب أنه متقلب متسلط في آرائه غير أمين على تحالفاته وغير حريص على تنفيذ تعهداته همه الوحيد “الأنا” الملازمة لكل ما يتصرف به : أنا الأقوى أنا الأصلح أنا المرسل لصنع السلام في العالم أنا الزعيم الأوحد الذي لا يقهر، على الجميع سواء في الداخل الأمريكي أم في سائر أنحاء العالم الخضوع لمشيئتي ولما أتخذه من قرارات وحدها تجعل من جديد الولايات المتحدة الأقوى والأعظم والأغنى والأقدر على تحقيق السلام الأمريكي في العالم .
الرئيس ترامب باندفاعته المزاجية ونزعته التسلطية يريد أن يكون أكثر من رئيس جمهورية ، فهو لا يحترم الدساتير والقوانين والأعراف الديموقراطية التي رسم معالمها مؤسسو الولايات المتحدة الأمريكية ولا يحترم النظام الدولي الذي تأسس بزعامة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ولا يحترم المؤسسات الدولية ويتصرف تجاهها وفقا لأهوائه ومصالحه يعاقبها أو ينسحب منها ، وما أقدم عليه مؤخرا أكبر دليل على هذه المزاجية هو الإنسحاب من منظمة الصحة العالمية، من الأونسكو ، من الاتفاقية الدولية لمواجهة تداعيات تغير المناخ ، معاقبة المسؤولين عن المحكمة الجنائية الدولية كما يبتز حلفاء الولايات المتحدة في الحلف الأطلسي وآسيا والشرق الأوسط وكل من يريد التحالف مع الولايات المتحدة وطلب حمايتها ويفرض عليهم دفع كلفة هذه الحماية.
هذه النماذج من تصرفات الرئيس ترامب وتطلعاته تغلب عنده النزع الديكتاتورية وأحلامه الإمبراطورية. يريد أن يكون إمبراطوراً على الطريقة الرومانية حيث كان الإمبراطور يمارس سلطات مطلقة في الداخل ويسعى لفرض سلطة على سائر الأمم . يعتبر روما سيدة الحضارة ومن حقها وواجبها إخراج سائر الأمم من الهمجية إلى الحضارة والعيش في ظل السلام الروماني الذي يشرف عليه الإمبراطور وفرض الشعار القائل ” كل الطرق تقود إلى روما”. وترامب يريد اليوم أن يحكم العالم على أساس أن كل الطرق تقود إلى واشنطن . هذا هو الرئيس ترامب وهذه هي تطلعاته فما هي انعكاساتها على العالم.
أول مخاطر النهج الترامبي هو انتعاش التيارات اليمينية المتطرفة بعنصريتها في مناطق عديدة من العالم مدفوعة بالدعم الأمريكي الترامبي المتمثل خاصة باندفاع إيلون ماسك وتدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأوروبية : بريطانيا ألمانيا فرنسا إيطاليا إسبانيا ، على سبيل المثال لا الحصر.
أما الخطر الأكبر والأوسع وقعا فيتمثل بعودة ظهور النزاعات التسلطية ذات الأبعاد الإمبراطورية على الطريقة الترامبية . ترامب يريد ضم كندا والمكسيك وغرينلاند إلى الولايات المتحدة والسيطرة على قناة باناما، وحتى خليج المكسيك حوّله إلى خليج أمريكا. لماذا لا يسعى بوتين لإعادة بناء الامبراطورية الروسية في أوروبا وآسيا ولماذا لا تسعى الصين إلى تحويل شرق آسيا إلى امبراطورية صينية مع ما يعنيه ذلك من نشوب نزاعات لا تنتهي بين هذه الامبراطوريات على الحصص في استثمار ثروات العالم وتتحول الشعوب المغلوبة على أمرها وقودا لهذه النزاعات.
وليس أقل خطرا ما تشهده منطقة الشرق الأوسط التي تتنازعها ثلاثة مشاريع توسعية إقليمية امبراطورية متناقضة ومتفجرة.
1- المشروع التركي المستثمر للإسلام السياسي السني
2- المشروع الإيراني المستثمر للإسلام السياسي الشيعي
3- المشروع الصهيوني المستثمر للروايات التوراتية والتلمودية العنصرية والدينية الطابع.
هذه المشاريع المتناقضة تخضع كلها للمزاجية الترامبية المتقلبة مع انحياز كامل أكيد ودائم إلى إسرائيل في مختلف مشاريعها للهيمنة الإقليمية والتغطية على ارتكاباتها اللاإنسانية بحق الفلسطينيين واللبنانيين.
ترامب مع إسرائيل في اعتبارها القدس عاصمة أبدية لها ، ومع إسرائيل في ضم الجولان السوري، ومعها في ضم الضفة الغربية من فلسطين ومعها في إعادة احتلال غزة وتهجير سكانها إلى بلدان أخرى عربية بل حتى إلى إندونيسيا ، ومع إسرائيل في الضغط على الدول العربية للتطبيع معها ومعها أيضا في رفض إقامة دولة فلسطينية.
ترامب يسعى لتحقيق السلام في الشرق الأوسط على أن تكون له ولإسرائيل السيطرة على مقدراته. ترامب يسعى لتحقيق السلام في لبنان شرط أن يضمن ذلك الأمان لإسرائيل حتى ولو تسبب ذلك إغراق لبنان في أزمات ونزاعات داخلية قاتلة.
هل يعي القيّمون على الأوضاع في لبنان ذلك فيلتفّون حول الجيش ويعملون معا على بناء الدولة العادلة والقادرة والحامية من المخاطر أياً كان مصدرها. الوقت الضائع ليس لصالح أي طرف معرقل ومعطل، المطلوب الكثير من الوعي والحكمة والنزاهة والإقدام للإنقاذ قبل فوات الأوان.