“في لبنان ازمة متفاقمة ولا يفيد ان ننكرها. والفرقة لا تزال هي هي ، والتسابق على النفوذ بين الطوائف من اجل السيطرة السياسية والاقتصادية لايزال على اشده. والكيانات السياسية المذهبية لا تزال قائمة ، والخلط بين السياسة والدين يستمر المحور الاساسي للتوجيه السياسي والاجتماعي في غياب التوجيه الوطني.”

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط في جريدة الانباء بتاريخ 4/4/1959)

هذا الوصف للاوضاع غير السليمة في لبنان اعلنه كمال جنبلاط سنة 1959، فهل تعدلت هذه الاوضاع بعد هذا التحذير؟ الوقائع كلها تؤكد العكس مع استمرار الازمات وتفاقمها رغم تبدل العهود الرئاسية والحكومية والنيابية . ولا نجافي الحقيقة اذا قلنا ان اصرار ارباب السياسة والسلطة على الاستمرار في نهجهم القائم على سوء ادارة التنوع اللبناني الفريد، والتمسك بالنظام الطائفي الكونفدرالي الطوائفي الذي يقدم المصالح الشخصية والفئوية والمذهبية على المصلحة الوطنية الامر الذي حال دون اقامة دولة فعلية فاعلة في لبنان ، بل اكثر من ذلك اوصل البلاد الى التفكك والاقتتال الطائفي سنة 1975.

استشعر كمال جنبلاط مخاطر هذا الاقتتال وكان وقتها يتولى قيادة الحركة الوطنية ، فاقترح باسمها في آب سنة 1975 ، برنامجاً اصلاحياً انقاذياً هذه ابرز بنوده:

1- الغاء الطائفية السياسية في التمثيل الشعبي والادارة والقضاء والجيش واعتماد التمثيل النسبي في الانتخابات النيابية والبلدية ، وخفض سن الاقتراع الى 18 سنة. وتوسيع مجال المشاركة الشعبية في مجالس اقليمية تستحدث في المناطق لممارسة اللامركزية الادارية والتنموية ووضع شرط الكفاءة العلمية والاخلاقية والصدقية لقبول الترشح لهذه المناصب على اختلافها.

2- احداث مجلس تمثيلي آخر لمصالح وكفاءات اللبنانيين وتكتلاتهم على صعيد الدولة .

3- احداث مجلس شيوخ مهمته المحافظة على احترام التنوع الطائفي في لبنان

4- اعتماد الاستفتاء الشعبي المباشر بشأن القضايا المهمة وطنياً

5- فصل النيابة عن الوزارة

6- اقامة محكمة عليا للبحث في دستورية القوانين والانظمة ولمحاسبة المسؤولين في الدولة استناداً الى قانون الاثراء غير المشروع ، واخضاع النواب والوزراء والرؤساء والسياسيين لرقابة ديوان المحاسبة في ثرواتهم ومصاريفهم .

7- اقرار قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية ، وازالة كل اشكال التميييز ضد المرأة.

8- ازالة القيود اللاديموقراطية التي تحد من الحريات الاساسية كحرية الرأي والتعبير والتكتل النقابي والحزبي.

هذه الاصلاحات اعتبرها المعلم كمال جنبلاط اساساً صالحاً لتسوية تاريخية انقاذية تنقل لبنان من كونفدرالية الطوائف الى الدولة المدنية الوطنية . ولكن هذه التسوية التاريخية لم يتم التوافق عليها الا لاحقاً حيث اعتمد بعض مبادئها في اتفاق الطائف سنة 1989 الذي جرى دمج اصلاحاته الاساسية لاحقاً في الدستور اللبناني.

ولابد لي وانا بصدد اعداد هذا المقال ، سوى التنويه بفقيد لبنان الصديق الكبير السيد حسين الحسيني رئيس المجلس النيابي السابق الذي انتقل من هذه الدنيا الى عالم البقاء، للدور الذي لعبه في تاريخ لبنان الحديث كعرّاب لاتفاق الطائف ، وساع دائم للتوفيق والتسوية بين اللبنانيين ولنقل لبنان من دولة المحاصصات المذهبية الى دولة المواطنة العادلة والجامعة .

وما نأسف له حقاً، الى جانب تأسفنا على غياب السيد حسين الحسيني ، هو ان اياً من احكام دستور الطائف واصلاحاته لم تنفذها المنظومة التي توالت على السلطة منذ العام 1990 الى اليوم ، الامر الذي اوصل البلد الان الى تفاقم الازمات وشمولها كل المجالات على كل المستويات ، وسط شغور رئاسي وشلل حكومي وقضائي واداري ومؤسساتي ، وفشل نيابي ، وانسداد في الافق المنظور ، والعامل المعطل لكل اصلاح وبكل تغيير هو التمسك بالنظام اللاديموقراطي السائد وبالمنظومة الفاسدة التي تديره.

وعلى ضوء كل ما اشرنا اليه، نضع اللبنانيين امام الحقائق الدامغة بأن النظام القائم والمنظومة القابضة على السياسة والسلطة اصبحا يشكلان خطراً داهماً على الكيان والبقاء ، وان السبيل الوحيد للخروج من الانهيار وتفادي مخاطر الزوال هو في التوافق ولو متأخراً على تسوية تاريخية طال انتظارها ، رسم خريطتها المعلم المصلح كمال جنبلاط ، وجسدها دستور الطائف، تنتج قيادات سياسية جديدة شابة ونهضوية تعيد تأسيس لبنان دولة ووطناً موحداً. وما نسمعه اليوم من دعوات فئوية كالفدرالية والتقسيم ، كلها دعوات تعطل ولا توفّق لان الانهيار الذي نعاني منه يستدعي معالجة موضوعية تتطلب وقتاً لانها مسار وليست مجرد قرار ، والمبادرة للسير بها باتت حاجة استراتيجية لا تحتمل التأخير . ويجب ان لا يغيب عن ذهن احد في لبنان ان الدولة المدنية الديموقراطية هي خيار ونهج نابعان من تشخيص دقيق لحال لبنان المرضية المزمنة .