جريدة نداء الوطن – 15 حزيران 2023
في 22 تشرين الثاني 1967، ناقش مجلس الأمن في الأمم المتحدة مشروعاً كان ليصبح أهم قرار يتخذه المجتمع الدولي بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني منذ خطة تقسيم فلسطين في العام 1947. كان ذلك النقاش يتمحور حول نتيجة حرب العام 1967، حيث انتصرت إسرائيل على جيرانها العرب واستولت على الضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء من مصر، وهضبة الجولان من سوريا.
قال وزير الخارجية الإسرائيلي، أبا إيبان، في مجلس الأمن حينها: «سنحترم الوضع الذي تنص عليه اتفاقيات وقف إطلاق النار ونحافظ عليه بالكامل إلى أن تليه معاهدات سلام بين إسرائيل والدول العربية لإنهاء حالة الحرب». لكن لم يكن إيبان دقيقاً جداً في موقفه، فقد كانت إسرائيل قد فرضت قانونها بشكلٍ أحادي الجانب على القدس الشرقية في تلك الفترة، ثم قامت بالمثل بعد مرور 15 سنة عبر ضم هضبة الجولان رسمياً. وخلال آخر نصف قرن، أدى توسّع المستوطنات في الضفة الغربية إلى ترسيخ سيطرة إسرائيل واستبعاد حصول انسحاب عسكري. (أعادت إسرائيل شبه جزيرة سيناء إلى مصر كجزءٍ من معاهدة السلام في العام 1979).
لكن بعيداً عن المواقف الدبلوماسية المبهمة، يبدو أن خطاب إيبان رسم مسار الموقف الإسرائيلي الرسمي بشأن الضفة الغربية خلال السنوات الخمسين اللاحقة: كان يُفترض أن يتحدد الوضع النهائي للأراضي المحتلة خلال محادثات تحصل بوساطة أطراف أخرى. لكن تغيّر الوضع منذ بضع سنوات، حين بدأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يفرض سياسة ضم الأراضي بشكلٍ أحادي علناً. أصبحت عمليات الضم رسمية بعد مناورات بيروقراطية حديثة داخل حكومته اليمينية المتطرفة الجديدة التي بدأت تنقل صلاحيات الإشراف على الضفة الغربية من الجيش إلى القادة المدنيين، وهي خطوة تتعارض مع القانون الدولي.
بدأت الفجوة بين مواقف إسرائيل وتحركاتها في الضفة الغربية تتغير في العام 2017، حين راح مسؤولون من حكومة نتنياهو السابقة يناقشون خططاً لضم تلك الأرض بشكلٍ أحادي الجانب. في شهر كانون الأول من تلك السنة، مرّر حزب «الليكود» الحاكم بقيادة نتنياهو قراراً يدعو المشرّعين التابعين له إلى ضم الضفة الغربية بالكامل. لكن أدرك جميع من صوّت لصالح هذا القرار أنه مجرّد إعلان مواقف ولا يمكن تنفيذه سريعاً بسبب الاعتراضات الدولية.
وفي المرحلة التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية في العام 2019 وإبرام «صفقة القرن» بقيادة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، أعلن نتنياهو خلال مقابلات إعلامية أنه يتجه إلى فرض سيادة إسرائيل هناك «تدريجاً». قال نتنياهو إنه ناقش «خيار ضم الأراضي بالإجماع» مع إدارة ترامب.
كرر نتنياهو هذه الرسالة مراراً منذ ذلك الحين. يذكر بيان الحكومة الجديدة، التي شكّلها في السنة الماضية مع أحزاب استيطانية متطرفة، «حق الشعب اليهودي حصراً بامتلاك كامل أراضي إسرائيل». لكن يبدو موقف الائتلاف بين «الليكود» و»الحزب الصهيوني الديني» المتطرف بقيادة وزير المال بتسلئيل سموتريتش أكثر وضوحاً حين يقول: «سيسعى رئيس الوزراء إلى صياغة سياسة تسمح بفرض السيادة في يهودا والسامرة». (يذكر الكتاب المقدس هذين الاسمَين اللذين يشيران اليوم إلى مناطق تضم الضفة الغربية وغالباً ما يستعملهما اليمين الإسرائيلي).
هذه هي التطورات الكامنة وراء قرار حكومة نتنياهو الأخير بتغيير بنية الحُكم الرسمية في الضفة الغربية من خلال نقل صلاحيات إدارية كثيرة من الجيش إلى القيادة المدنية. يُفترض أن تقضي تحركاتها على أي شكوك متبقية حول توجّه إسرائيل إلى ضم كامل الضفة الغربية بحكم القانون.
في أواخر شهر شباط الماضي، وقّع سموتريتش، المعروف بمعاداته للمثليين ودعمه لتفوّق اليهود، على اتفاق مع وزير الدفاع يوآف غالانت لنقل عدد من الصلاحيات الحكومية في الضفة الغربية من القائد العسكري في المنطقة إلى سموتريتش. (بالإضافة إلى استلام وزارة المال، يشغل هذا الأخير منصباً في وزارة الدفاع أيضاً). حصدت هذه الخطوة الإجماع وسط الائتلاف بين «الليكود» و»الحزب الصهيوني الديني».
لم يحصل سموتريتش على كامل صلاحيات القائد، ومع ذلك تُغيّر هذه الخطوة بنية النظام الإسرائيلي في الضفة الغربية بطريقة جذرية، فهي تمنح مسؤولاً مدنياً هذا الكمّ من الصلاحيات الإدارية في الأراضي المحتلة للمرة الأولى على الإطلاق. هذا التحرك جعل سموتريتش الحاكم الفعلي للضفة الغربية.
وفق ذلك الاتفاق، سيُعيّن سموتريتش (يسمّيه البعض «الوزير داخل وزارة الدفاع») مسؤولين مدنيين في مناصب رسمية داخل الحكومة العسكرية، بما في ذلك منصب جديد مخصص لنائب رئيس الإدارة المدنية، وهي الوكالة العسكرية المسؤولة عن الشؤون المدنية للمستوطنين الإسرائيليين والمستوطنات في الضفة الغربية، كما أنه سيُعيّن مستشارين قانونيين لهؤلاء المسؤولين.
كذلك، سيكون سموتريتش وحده مسؤولاً عن تصميم معظم سياسة الاستعمار الإسرائيلية في الضفة الغربية، إذ تسمح له صلاحياته اليوم بالتعامل مع مسائل مثل توزيع الأراضي، والتخطيط والبناء في معظم المناطق الواقعة خارج المدن والقرى الفلسطينية، وإنفاذ القانون في ملفات البناء غير الشرعي من جانب الفلسطينيين والإسرائيليين في آن، ومشاريع البنى التحتية، وتوزيع المياه.
قد تخفي بنود الاتفاق حقيقة نقل الصلاحيات عبر اعتبار الحاكم الفعلي تابعاً لوزير الدفاع. لكن لا يملك هذا الأخير حق النقض إلا في الحالات المتطرفة، مثل عمليات الهدم الواسعة في المناطق الفلسطينية، وتتجاوز هذه القرارات صلاحيات القائد العسكري في مطلق الأحوال. لا يخفي سموتريتش من جهته نيّته توسيع صلاحيات الحكومة الإسرائيلية لبناء المستوطنات عبر تفكيك الإدارة المدنية بالكامل، ما قد يمنح السلطات الإسرائيلية سيطرة مباشرة في الضفة الغربية.
على صعيد آخر، يتطرق الاتفاق إلى مساعي الحاكم الفعلي لتوسيع النظام القانوني المزدوج في الضفة الغربية عبر السماح بتطبيق تشريعات الكنيست على المستوطنين الإسرائيليين على نطاق أوسع، فيما يبقى الفلسطينيون خاضعين للقانون العسكري. في غضون ذلك، من المتوقع أن يُكلَّف المستشارون القانونيون بصياغة أوامر عسكرية لتطبيق التشريعات الإسرائيلية على المستوطنين رسمياً، ما يعني أن ينقل القانون العسكري قوانين الكنيست إلى الأراضي المحتلة.
ينص القانون الدولي على ضرورة أن تُحقق قوة الاحتلال (إسرائيل في هذه الحالة) مصالح الأراضي المحتلة خلال فترة احتلالها الموقتة. لكن من خلال نقل الصلاحيات الإدارية في الضفة الغربية من الجيش إلى وزير إسرائيلي والخدمة المدنية، تتخلى إسرائيل عن هذا الواجب، لا في تحركاتها العملية فحسب كما تفعل منذ وقت طويل، بل على الورق أيضاً. يتعلق السبب باضطرار الموظفين الحكوميين الإسرائيليين لإعطاء الأولوية للمصالح الإسرائيلية أولاً.
يُعتبر صمت العالم إزاء هذه التطورات كلها تأكيداً خطيراً على وضع إسرائيل الاستثنائي على الساحة الدولية. يطرح جمود الولايات المتحدة وبلدان غربية أخرى، رغم إقدام إسرائيل على تغيير النظام القانوني في الضفة الغربية، عواقب خطيرة على الفلسطيين المقيمين تحت الاحتلال. لكنّ هذا النوع من الأخطاء ليس جديداً على المجتمع الدولي، بل إنه جزء من خصائص النظام القائم منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي.
في الوقت نفسه، يُضعِف صمت الغرب مصداقيته في معركته المستمرة ضد التوسع الروسي في أوكرانيا. يُعتبر منع ضم الأراضي المحتلة بشكلٍ أحادي الجانب من المبادئ الأساسية للنظام الناشئ بعد حقبة الحرب العالمية الثانية. ولن يكون الامتناع عن محاسبة إسرائيل على تحركاتها كفيلاً بإضعاف مصداقية الغرب فحسب، بل إنه قد يزعزع النظام الدولي ككل. من خلال منح نتنياهو الضوء الأخضر لفعل كل ما يريده، يعطي المجتمع الدولي القادة الآخرين الذين يحملون طموحات توسعية، مثل بوتين، الوصفة المناسبة للاستيلاء على الأراضي بالقوة ومن دون مواجهة أي عواقب.
لضم الأراضي بشكلٍ قانوني، تقضي أفضل طريقة بالإعلان عن هذا التحرك رسمياً، كما فعل بوتين حين ضمّ شبه جزيرة القرم في العام 2014. لكن لا يشمل ضم الأراضي بالضرورة أجواءً احتفالية ومبهرجة، بل يمكن أن يحصل في مكاتب مملة وخانقة أو عبر خطوات إدارية وبيروقراطية كئيبة ظاهرياً.
لفضح حقيقة ممارسات إسرائيل، تبرز الحاجة إلى مقاربة الوضع بموضوعية. لكن يفشل المجتمع الدولي في هذا المجال بالذات، وهذا ما يفسّر غياب أي ضجة حقيقية رغم انتهاك إسرائيل الفاضح للقانون الدولي. يتوقف الخطاب الدولي عموماً على ضم الأراضي بطريقة احتفالية ورسمية، بما يشبه ما فعله بوتين واستحق بسببه العقوبات ومواقف الاستنكار. لكن لا يجيد العالم في المقابل التعامل مع تكتيكات نتنياهو.
لم يترافق نقل صلاحيات وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى سموتريتش مع أي إعلان كبير، لكن تبقى هذه الخطوة مرادفة لضم الضفة الغربية بحكم الواقع، وهي وجهة خطيرة قد تُمهّد لترسيخ الفصل العنصري في تلك المنطقة.