لطالما طالبنا بضرورة التخطيط في المرحلة التي نحن فيها، لكي نتخلص من الارتجال والتردد، لأن الإنسان عندما يعرف ماذا يريد وكيف يريد، لا يعود يتردد ولا يعود يرتجل إلا الإرادة التي تمكنه من التحول من مرحلة التخطيط إلى الفعل.

 

هنا تبرز الأهمية الخاصة التي يجب أن يعلقها المسؤولون على العنصر المعنوي الملازم للجدوى الاقتصادية والاجتماعية، فلا نجاح لأي مبادرة في الحقل الفردي والعام على السواء اذا لم على سواء إذا لم يكن النظام المناقبي لهذه المبادرة حوفظ عليه وصيانته من العبث ومن الانفلات في سبيل الفوضى، لأن الإنسان أهم بكثير مما يعمل. والقيم الإنسانية الخلقية والروحية والاجتماعية والمعنوية بشكل عام هي جوهر هذه الإنسانية وكنزها الدفين.

 

النظام الخلقي هو النظام الذي يوحيه العقل ويبدعه لحسن سير المجتمع وترقيته نحو الكمال المادي والمعنوي على السواء، وهذا العقل لا يبرز على حقيقته ولا يظهر على جوهره إلا إذا كان الإنسان في عائلته أو بيته ومدرسته، والأجواء المحيطة به تربيه، وتمكّن الفرد من الانفتاح على ذاته وإبراز هذه الشرائع والسلوكيات، كما أوجدت في قصد الإبداع لغاية اكتمال الخلقي في الإنسان.

ولذا، ننشد على ضرورة تنقية الأجواء التربوية والدعائية، وأجواء التسلية وما تتضمنه الحياة الخاصة من مظالم وانحرافات، لكي ينتظم العقل الجماعي بانتظام العقل الفردي.

 

في المرحلة الدقيقة والخطيرة التي يمر فيها البلد، نرى أن النهوض من هذا الانحطاط المعنوي الذي يسيطر على معظم الإدارة والقضاء لا يتم إلا بتبديل الجو الفاسد القائم، واستئصال هذا الوضع الانحطاطي للمجتمع والدولة، ولا يتحقق إلا بثورة اجتماعية في الذهنية العامة وفي الأنظمة والمؤسسات.

 

(المرجع: كتابه لبنان والجسر الوطني المقطوع، صفحة 213)