“ان الازمة المعنوية والدستورية التي تعانيها البلاد، لا يعالجها الا حاكم يكون رجل دولة في نفسيته، وفي تفكيره، في نهجه، فهل تتقمص فجأة في ارباب الحكم ذهنية رجل الدولة فيصلحون ما افسده الدهر وما ساهم في افساده اصحاب المصالح والغايات وافراد الحاشيات وجميع السماسرة الذين يتجمعون كالزلاقط حول قرص من الحلوى؟
ومصيبة رجل السياسة هي في الحاشية التي تحيط به. فالحاشية الفاسدة تجعل الابيض اسود والاسود ابيض، وتجعل الحاكمين يعتقدون انها ضرورية ولا يستغنى عنها في تأييد الحاكمين.
والويل للحاكم الذي يعلق به مثل هذا الوهم فيتصوّر ان الحاشية ضرورة له ، اذا ابعدها عنه ينهار، بينما الواقع والحقيقة ان الحاشية اذا ما ابعدت عن صاحب السلطان هي التي تزول فوراً او تنهار.
الحاكم ليس بحاجة الى حاشية ، بل الى مستشارين مخلصين ومجردين ، والى مرشدين وعارفين في الامور العامة ، ومخبرين حاذقين ومجردين يدلونه الى متطلبات الرأي العام وتطوراته.
قيادة الرجال شرف لا يعادله شرف على وجه الارض، اذ يستطيع القائد ان يتصرف بارادة الناس كما يشاء، وان يرسل بهم الى الصراع، الى الموت… والرجل الذي يتفهّم ويدرك ذلك والمسؤوليات الناجمة عن حق التصرف هذا ، وعن شرف القيادة يستطيع وحده ان يكون رجل دولة .
القيادة شرف قبل ان تكون واجباً، وقد لا تكون واجباً الا على قدر ما تكون شرفاً لا تنحدر الى درك الوجاهة الانانية بمفهومها العادي ، وكل نضال لا تكون له قيمته الانسانية في اي مجتمع لا يمكن ان يبني وطناً ويقيم دولة .”
(المرجع: مقال له نشرته جريدة الانياء بتاريخ 4/10/1957)