هناك حقيقة بشرنا بها منذ العام 1948، وعملنا اكياد لأجل فكرة الحياة والقوة الثالثة المعنوية في العالم. وهذه الحقيقة هي: يكفي ما للعرب من أخصام خارج بلادهم لقضيتهم، ولإضطراد نموهم، ولظهورهم على المسرح الدولي السياسي ككتلة متعاونة ومنسجمة وكأمة، ولتوسع نفوذهم. يكفي كل ذلك لكي يعتبر كل مواطن عربي في أي قطر عربي فلا يسمح لأخصام الداخل بأن ينشطوا، وأن يعملوا في تنفيذ التخطيط الأجنبي والقصد الأجنبي، وتهديم الفكرة الوطنية أو محاولة إضعاف فكرة الوحدة الوطنية.
فقد ظهر بوضوح أن كل دولة كبيرة تنزع بطبيعة تكوينها، واستقطاب اقتصادها وقوتها المادية والعسكرية، إلى فرض نفوذها في الخارج، وإلى عدم السماح لأي مجموعة من الدول بأن تلعب دورها وتنتهج سياستها في اتجاه قد يتعارض مع سياسة النفوذ والاستقطاب التي تمارسها الدول الكبرى. هذه قاعدة لا يمكن إنكارها والتغاضي عنها، حتى ولو زال الاستعمار وزالت معه القواعد والمعاهدات وسواها من مظاهر التدخل والسيطرة السياسية والاقتصادية والمعنوية ، فإن سياسة النفوذ والسيطرة العالمية ستفعل فعلها، وستظل تواجه الشعوب الصغيرة والمتوسطة، وخاصة النامية والمتخلفة، بنفس محاولات الضغط والتوجيه وفرض النفوذ.
(المرجع: كتابه نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية، صفحة 129.)