دهمت التحديات الصعبة «مجلس السلام»، أو بالأحرى «مجلس ترامب»، في لحظة التوقيع على وثيقته التأسيسية.
فكرته تتمحور حول شخصية ورؤى وتصورات، أو نزوات وأهواء الرئيس الأميركى؛ فهو وحده الذي يقترح ويوجه، ويملك حق التعيين والعزل في مؤسساته المفترضة.
يعرف «مجلس السلام» نفسه بأنه: «هيئة دولية يترأسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو يعنى بإعادة إعمار غزة وتعزيز السلام الدائم في مناطق النزاع».
صلاحياته تجاوزت فكرته الرئيسة، قبل أن تُختبر في غزة المحاصرة والجائعة، أو أن تؤكد قدرتها على مواجهة تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي، التي يصعب حلها بقفزات في الهواء تضفي عليها صفات العظمة المسبقة، أو القدرة على حل الأزمات التي فشلت فيها الأمم المتحدة، لمجرد أن ترامب يترأسها!
في نقده المتواصل للمنظمة الدولية نعتها بأنها «منظمة بيروقراطية»، لم تفعل شيئاً مما استطاع هو أن ينجزه «في سنته الأولى من رئاسته الثانية!». لم يطرح على نفسه هذا السؤال: لماذا فشلت المنظمة الدولية؟ وما مسؤولية الولايات المتحدة عن هذا الفشل؟
على مدى عقود عطّلت واشنطن بحق النقض استصدار أي قرار أممى إذا ما تصادم مع مصالحها وانحيازاتها، بصرف النظر عن طبيعة القضية، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة.
كانت القضية الفلسطينية الضحية الأولى للسياسات الأميركية، لكنها لم تكن الوحيدة.
تأسست فكرة «مجلس السلام» على نوع من القفز إلى المجهول، تعويلاً على الأهواء، وفي غياب شبه مطلق لأي احترام للقانون الدولي.
الأفدح أن الحلفاء الكبار التقليديين للولايات المتحدة في الغرب تحفظوا على الفكرة كلها، أو رفضوها علناً على خلفية أزمة ««جزيرة غرينلاند» الدنماركية.
يشترط أي بديل للأمم المتحدة، المتهاوية فعلاً، إجماعاً دولياً واسعاً، أو أغلبية مؤثرة ووازنة، وهو ما غاب بفداحة عن الاجتماع التأسيسى، وعدَّ بذاته نوعاً من الإخفاق المبكر.
في المشهد الافتتاحي تبدت أزمتان كبيرتان كاختبارين حاسمين لـ«مجلس ترامب».
الأزمة الأولى، الحرب على غزة، التي استدعت الفكرة نفسها، قبل أن يضعها الرئيس الأميركي على محك نظام دولي جديد تتحكم فيه الإرادة المنفردة للقوة الأميركية العظمى.
في نص الوثيقة التأسيسية غاب أي ذكر للقضية الفلسطينية، ولم تجرِ أي إشارة إلى غزة، أو إلى أي دور محتمل للسلطة في رام الله.
في مداخلة غير مكتوبة أشار ترامب عابراً إلى ساحل غزة الساحر.
لم تكن تلك زلة لسان بقدر ما كانت تعبيراً عما ينتويه فعلاً، متذرعاً هذه المرة باسم «مجلس السلام»!
هذه عودة مضمرة، لكنها واضحة، إلى مشروع «ريفييرا غزة»، الذي استدعى، عندما طُرح للمرة الأولى، غضباً واسعاً خشية التهجير القسري من غزة إلى سيناء المصرية، وتفريغ القضية الفلسطينية من طبيعتها كقضية تحرر وطني.
غاب عن الوثيقة التأسيسية أي ذكر لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، ولا أي استعداد للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
بالمقابل كان حاسماً في تبني المطالب الإسرائيلية، خاصة أولوية نزع سلاح «حماس» واستعادة رفات آخر جندي إسرائيلي.
يلفت الانتباه أن قوة الاستقرار الدولية تبدو متعذرة الآن. لا أحد في العالم كله مستعد لأن يحارب «حماس» بالنيابة عن إسرائيل.
سكت ترامب تماماً عن أي إشارة للخروقات الإسرائيلية اليومية لوقف إطلاق النار في غزة، فيما توسع كلياً في تهديد «حماس» بالسحق إذا لم تقم بنزع سلاحها من تلقاء نفسها.
وبدرجة مماثلة لوّح بسحق إيران إذا ما حاولت استعادة مشروعها النووي، لكنه أعرب في الوقت نفسه عن استعداده للتفاوض معها.
رغم ذلك كله غابت إسرائيل عن أي تمثيل في الاجتماع التأسيسي، كنوع من الضغط الإضافي قبل أن يبدأ مجلس ترامب أعماله.
وبصياغة أخرى، أرادت ضبط قواعد العمل حسب أجندة الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل.
وفق نفس الاستراتيجية اعترضت على أن يضم تشكيل المجلس تركيا وقطر، لكنها وافقت عملياً، بتفاهمات كواليس مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف  وصهر الرئيس جاريد كوشنر، سوف تتبدى في وقت تالٍ ثمناً لما تراه تنازلاً كبيراً!
هكذا عارضت إعادة فتح معبر رفح من الجانبين المصري والفلسطيني للحصول على ثمن سياسي إضافي.
أمام الابتزازات الإسرائيلية المنهجية، معضلة ترامب أنه لا يرغب في أي صدام كبير معها، ولا يريد في الوقت نفسه أن يبدو ضعيفاُ.
الأزمة الثانية، مصير جزيرة غرينلاند، التي خيمت بظلالها الاستراتيجية على الاجتماع التأسيسي.
عبرت الأزمة، بحمولاتها السياسية والاستراتيجية، عن أخطر تصدع في التحالف الغربي قد يصل إلى تفكيك حلف «الناتو» والتقويض النهائي للنظام الدولي.
استبعد «ترامب» أى عمل عسكري، دون أن يتراجع عن صلب أهدافه في الاستيلاء على الجزيرة الاستراتيجية القطبية الغنية بالمعادن النفيسة.
تبدت في دافوس إشارات إلى تسوية محتملة قادها أمين عام حلف «الناتو»، دون تفويض مسبق من الدنمارك أو حكومة الجزيرة، التي أعلنت أنها لم تفوض أحداً للتحدث باسمها.
بضغوطه المخالفة للقانون الدولي وأبسط قواعد الشراكة مع الحلفاء، ربما ينجح «ترامب» في تحقيق أغلب مطالبه بأزمة غرينلاند، غير أن شرخاً عميقاً يصعب ترميمه أصاب العلاقة بين ضفتى الأطلسى.
هكذا تبدو أطلال النظام الدولي أكثر انكشافاً واضطراباً، دون أن يكون ممكناً لما يُطلق عليه «مجلس السلام» أن يحقق أهدافه ومراميه!