كوكب من الشرق ينزل من عليائه في السادس من كانون ليخط بأحرف من نور اسم كمال جنبلاط ، المعلم والزعيم الوطني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على امتداد سحابة العمر ، ليشكل مشكاة نور للمستضعفين والفقراء ، وشفيعا” للأجيال من المناضلين الأحرار، ولجيل من الشباب الواعد الذي ينتظر خمائر فكره التقدمي الأنساني كي ينتشله من الوطن – المستنقع الذي تفوح منه رائحة الفساد والأفساد، ومن جهنم التي تستعر نارها يوما” بعد يوم .

فماذا نقول عنك يا من جعلت حياتك رحلة أسراء الى مسقط النجوم وعالم المثل ؟ وكيف نحيط بفكرك المثقل بشهد المعرفة ؟

كنت تردد قولا” للسيد المسيح :

” ان لم تمت حبة الحنطة، تبقى وحدها . وان ماتت ، أتت بثمر كثير “.

فكيف تموت حبة الحنطة وهي التي ملأت الحقول اغمار خير كثير ؟

وماذا تقول حبة قمح عن بيادر فكرك ؟ وماذا تقول نقطة ماء عن نهر متدفق ، متجدد ،وجارف ؟

فيا أيها النهضوي الرؤيوي الذي تعصف فيك رياح الثقافات ، وتسري روح الحضارات التي رأيت فيها التجلي للروح في الإنسان على أرض الواقع ، فسعيت إلى ترسيخ انسانيته على كافة المستويات ، ايمانا” منك أنه هو فائض القيمة الحقيقي الذي حاولت أن تشكله على نسق مثالاتك ، محاولا” تخليق المثال في الواقع ، ورفع الواقع إلى مصاف المثال

ويا من آمنت بالجمعنة والكوكبة ، وأعتبرت الأديان ” مسالك ودروب تقود إلى تحقيق الخالق في المخلوق ” ،وامنت ان المعرفة هي “تحقيق المطلق في الذات ، ونزع القشور التي تلبدت فوق ذاتها الجوهرية وحجبتها “. ودعوت إلى انعتاق الروح من الأنانية التي تكرس انحباس الروح في أقفاص الأجساد الفردية . واعتبرت الأديان أنغاما” في سيمفونية الكون توصل إلى الحقيقة .

ويا من حاولت أيجاد بديل حضاري ومجتمع اشتراكي يتقاسم فيه الناس لقمة الخبز بالعدل والقسطاس. وسعيت إلى استنبات رؤية خلاصية تقوم على قاعدة ثورتين : ” ثورة داخل الوعي الذاتي تحرر العقل من سلطان الغرائز ، وثورة في عالم الظاهر يعيد فيها الأنسان خلق البنى السياسية و الاقتصادية التي تسمح للروح و مثالاتها بالتفتح في بيت جماعي لا تدخله رياح التنافس العدواني و الجزع الاجتماعي ” ،لتكون بديلا”للثورات البورجوازية التي حولت الأحلام إلى مأسي .فناديت بتحرر الإنسان من المادة والمقتنى ، وتحرير المجتمع من الفساد ،ودعوت إلى رد الثروة الاجتماعية المسروقة إلى أصحابها . وكان هاجسك كيف نجعل السياسة أخلاقية والأخلاق سياسية ، أي كيف نحول الحق إلى قوة ،والقوة إلى حق ، حق الفقراء المستضعفين في كريم العيش ، فرسمت لهم طريق الخلاص للوصول إلى دولة علمانية ، تقدمية ، وديمقراطية ،يتساوى فيها الجميع على قاعدة الإنسانية.

ويا من اعتبرت السياسة أداة لتحقيق الخير الخلقي في الحياة العامة ، كما رأى أرسطو، وآلفت بين السياسة والمعرفة في خلق النخبة على طريقة أفلاطون في شخص الحكيم — الحاكم ،فجعلت النخبة تتماثل وحراس الجمهورية الافلاطونية كي تسود العدالة ،وتعم المساواة ، ويتحقق الخير الخلفي في الحياة العامة .

أيها الثائر ضد المتركد من الأفكار والمتحجر من الأعراف ، والداعي إلى السلام الاجتماعي والروحي، فتمفصل فكرك على الصوفي والعرفاني والفلسفي والتوحيدي من المبادئ ،واكتفيت بشهوة الشمس لإيصال الضوء والدفء إلى الأرض التي تحسست حاجتها إلى الروح .

وماذا نقول لك في ذكرى ميلادك يا من رميت نفسك في نهر هرقليطس المتجدد و المتدفق دوما” عن وضعنا المتردي النتن في لبنان ومحيطه العربي ؟ نقول لك :اننا نشتاق إلى توهج فكرك ،ونقاوة ثورتك ، ودعوتك إلى الخلاص من كل ارتهان وتبعية للخارج ،والسير في طريق الحياد الأيجابي .

فلبنان المصلوب على خشبة الثنائية ينتظر علمانيتك وحضورك المعنوي ، ينتظر عودة القائد الذي يدعو من مأذنة الحق إلى ثورة يكون قادتها من شباب هم في مستوى الرسل الأبرار.

وماذا نقول لك عن الأرض العربية المحروقة والمدنسة بالهمجيات والتي ه ج ر أهلها إلى جهات الأرض الاربع ، والتي تشهد رقصة الموت العبثية الدامية بين المذاهب والعشائر والأثنيات والعصبيات بقيادة المايسترو الأميركي– الصهيوني ؟

ان الأرض العربية تعيش شتاءها القاسي، تنتظر عروبة نقية ديمقراطية توحيدية كعروبتك ، واسلاما” حضاريا” سمحا” وجامعا” كما عهدته .

وفلسطين ،فلسطينك، التي اعتمرت كوفيتها ،ودافعت عن حقوق شعبها وعودتهم من الشتات ،قد اغتالها التطبيع والفرز ،والضم وصفقات القرن .

وماذا نقول بعد ،والجراح أتخمت جسد الوطن ، والمآسي تلفنا من كل حدب وصوب , والكيان برمته يحترق في آتون جهنم .

فيا أيها المسافر في قطار الزمان ،ليتك تترجل…أرجوك ،ترجل …