يُعدّ ترقّق العظام (Osteopenia) من الاضطرابات الشائعة التي تصيب الجهاز الهيكليّ، ويتميّز بانخفاض في كثافة وكتلة العظام مقارنةً بالمستوى الطبيعي، ما يؤدّي إلى ضعف في بنيتها وزيادة قابليّتها للكسر. وعلى الرغم من أنّ هذا النقص لا يصل إلى حدّ الإصابة بهشاشة العظام، إلّا أنه يمثّل مرحلة إنذاريّة قد تتطوّر مع الوقت في حال عدم التشخيص المبكّر أو اتخاذ التدابير الوقائية والعلاجية المناسبة. ويكتسب هذا المرض أهمية خاصة في السياق الطبيّ، نظراً لتأثيره المباشر على جودة حياة المرضى وزيادة خطر التعرّض للإصابات والكسور، خاصةً مع التقدّم في العمر.

من هي الفئات الأكثر عرضة للإصابة بهشاشة العظام؟

تتعدّد العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بهشاشة العظام، وتشمل مجموعة من العوامل الوراثية، الهرمونية، الغذائية، ونمط الحياة. ومن أبرز الفئات المعرّضة للإصابة:

1. النساء ذوات التاريخ العائلي للإصابة.

2. النساء اللّواتي بلغن سن اليأس المبكّر: انخفاض مستوى هرمون الإستروجين، نتيجة انقطاع الطمث المبكر أو بسبب تدخّلات طبيّة، يؤدّي إلى تسارع في فقدان كتلة العظام.

3. الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية: يشمل ذلك الأنظمة الغذائية الفقيرة بالبروتين، والمغنيسيوم، والكالسيوم، وفيتامين D، والحديد، وجميعها عناصر أساسية للحفاظ على صحّة العظام.

4. الأشخاص الذين يعانون من حساسية تجاه الحليب ومشتقّاته: ما يؤدي إلى نقص في الكالسيوم الضروري لبناء العظام.

5. النساء اللّواتي يستخدمن الكورتيزون لفترات طويلة: الاستخدام المزمن للأدوية التي تحتوي على الكورتيزول يؤدي إلى تقليل امتصاص الكالسيوم وزيادة فقدانه من العظام.

6. النساء الخاضعات للعلاج الكيميائي: حيث يمكن أن يؤثّر العلاج الكيميائي على وظيفة المبيض، ويقلل من إنتاج الإستروجين، ما يسرّع فقدان كثافة العظام.

7. المدخّنون ومتعاطو الكحول: كلا السلوكَين يؤثّران سلباً في صحّة العظام من خلال التأثير على امتصاص العناصر الغذائية وإنتاج الهرمونات.

8. الإفراط في استهلاك المشروبات الغازيّة: نظراً لاحتوائها على نسب عالية من الفوسفات، ما يؤثر في توازن الكالسيوم في الجسم.

9. قلّة النشاط البدني: النشاط الحركي المنتظم يساعد في تعزيز كثافة العظام، فيما غيابه يُعدّ عاملاً مساهماً في ترقّقها.

10. النحافة المفرطة: انخفاض مؤشر كتلة الجسم (BMI) يرتبط بكتلة عظمية أقل، ويزيد من خطر الإصابة بالكسور.

11. نقص فيتامين D : يؤدي إلى ضعف امتصاص الكالسيوم من الأمعاء، ما يؤثر في ترسيبه في العظام.

12. فرط نشاط الغدّة الدّرقية: الزيادة في إفراز الهرمونات الدّرقيّة تؤدي إلى تسارع في عمليات تجدّد العظام، وزيادة معدل فقدانها.

الوقاية والعلاج

يرتكز الهدف الأساسي من علاج هشاشة العظام، على منع حدوث الكسور عبر إبطاء معدّل فقدان الكتلة العظميّة، إذ إنّ القدرة على استعادة العظام المفقودة بشكل كامل تُعدّ محدودة. لذلك، تُعتبر الوقاية الاستباقية هي الخيار الأمثل، وتشمل مجموعة من الإجراءات الصحّية التي تعزّز من قوة العظام وتحميها على المدى الطويل، ومن أبرزها:

• الإقلاع عن التدخين: يُعدّ التدخين من العوامل الرئيسية التي تضعف العظام وتقلّل من قدرتها على امتصاص الكالسيوم، كما يؤثر سلباً في توازن الهرمونات المهمة لصحة العظام.

• الاعتدال في استهلاك الكحول والكافيين: الإفراط في شرب الكحول أو الكافيين يعيق امتصاص الكالسيوم ويزيد من معدّل فقدانه في البول، ما يؤثر سلباً في كثافة العظام.

• ممارسة التمارين الرياضية بانتظام: النشاط البدني، وخصوصاً تمارين المقاومة والمشي، يساعد في تقوية العظام وتحفيز نموّها. يُوصى بممارسة الرياضة ثلاث مرات على الأقلّ أسبوعياً للمحافظة على صحّة الهيكل العظمي.

دور النظام الغذائي في الوقاية والعلاج

يلعب النظام الغذائي دوراً جوهريّاً في الحفاظ على صحّة العظام، من خلال تأمين العناصر الغذائيّة الأساسيّة، وأهمّها الكالسيوم وفيتامين D، اللذان يعملان معاً على دعم بنية العظام وتعزيز امتصاص المعادن الضرورية.

الكالسيوم:

يُعدّ الكالسيوم حجر الأساس في بناء العظام. وتختلف الاحتياجات اليومية منه بحسب الجنس والعمر والحالة الهرمونية:

• النساء اللواتي يتناولن العلاج الهرموني سواء قبل أو بعد سن اليأس، وكذلك الرجال، يحتاجون إلى حوالى 1000 ملغ يوميّاً من الكالسيوم، أي ما يعادل تقريباً 3 أكواب من الحليب أو اللّبن.

• النساء اللواتي لا يتناولن العلاج الهرموني بعد انقطاع الطمث يحتجن إلى 1500 ملغ يوميّاً، أي ما يعادل 5 أكواب من الحليب أو اللّبن.

مصادر الكالسيوم الطبيعية تشمل:

• الحليب ومشتقاته (اللّبن، الجبنة).

• الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين.

• الخضار الورقية الخضراء مثل السبانخ والبروكلي.

• المكسّرات مثل اللّوز.

فيتامين D :

يُعتبر فيتامين D عنصراً أساسيّاً يساعد الجسم على امتصاص الكالسيوم بكفاءة. تختلف الحاجة اليوميّة إليه باختلاف الفئة العمريّة:

• قبل سن 50: 200 وحدة دولية (IU) يوميّاً.

• بين سن 51 و70: 400 IU يوميّاً.

• بعد سن 70: 600 IU يوميّاً.

مصادر فيتامين D الغذائية تشمل:

• 90 غراماً من السلمون: تحتوي على نحو 400 IU.

• 90 غراماً من السردين: تحتوي على نحو 240 IU.

فيتامين C:

يلعب فيتامين C دوراً أساسيّاً في تكوين الكولاجين، وهو بروتين بنيوي مهم يدخل في تركيب العظام ويُسهم في تقويتها ومرونتها. وتختلف الحاجة اليومية منه حسب نمط الحياة:

• الرجال والنساء: يحتاجون إلى حوالى 60 ملغ يوميّاً.

• المدخّنون: بسبب تأثير التدخين على امتصاص فيتامين C، يُنصح بتناول 100 ملغ يوميّاً.

أهم مصادر فيتامين C الطبيعية:

• الجوافة

• الكيوي

• الفليفلة الحمراء

• البروكلي

• الحمضيات (كالبرتقال والليمون)

• الفراولة

• صفار البيض

• الحليب المدعّم وحبوب الفطور (السيريال) المدعمة

• كبدة الدجاج

ولأن الجسم يُنتج فيتامين D عند التعرّض لأشعة الشمس، فإنّ التعرّض المعتدل لأشعة الشمس يُعدّ ضرورياً، خاصةً لدى كبار السن الذين لا يحصلون على كمية كافية من خلال الطعام. أما بالنسبة للمصابين بترقّق العظام في سنّ متقدّمة، فيُنصح بتناول مكمّلات تحتوي على 800 IU يوميّاً من فيتامين D لضمان فعالية امتصاص الكالسيوم والحدّ من تدهور الكتلة العظمية.

الفوسفات:

يُعدّ الفوسفات من العناصر الضرورية للجسم، ويتوفّر بكثرة في معظم الأطعمة. إلّا أنّ التوازن بين الكالسيوم والفوسفات هو العامل الأهم لصحة العظام. فعند انخفاض مستويات الكالسيوم في الجسم، يمكن أن تؤدّي الزيادة المفرطة في الفوسفات إلى تسريع فقدان الكتلة العظمية.

أطعمة غنيّة بالفوسفات ينبغي الحذر منها عند انخفاض الكالسيوم:

• المشروبات الغازية (تحتوي على كميات عالية من الفوسفات)

• الشوكولا

• البقوليّات

• الحبوب الكاملة

لذلك، من المهم الاعتدال في تناول هذه الأطعمة، خاصة عند الأشخاص الذين يعانون من نقص في الكالسيوم أو لديهم قابلية للإصابة بترقّق العظام.

في النهاية، ترقّق العظام ليس مجرّد حالة مرتبطة بالتقدّم في السنّ، بل هو مسؤولية تبدأ من سن مبكّرة، تتطلّب الوعي، والمتابعة الطبية، والاهتمام بالعوامل الغذائية والهرمونية لتأمين شيخوخة صحية ونشيطة وخالية من الألم أو الكسور.