ما يتظهر في أفق الأحداث اليوم ، على يد الثنائي ترامب ونتنياهو ، كمشروع جيوسياسي للشرق الأوسط الجديد ، ليس حدثاً طارئاً فريداً ، فخلال الحرب العالمية الأولى ، استطاعت الصهيونية  العالمية ان تضغط على الدول الحليفة المنتصرة في الحرب ، لرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط ، بعد زوال الأمبراطوية العثمانية . فتمّ تقسيم المنطقة ومناطق النفوذ فيها وفقاً للخريطة التي وضعها مندوبا بريطانيا وفرنسا مارك سايكس وجورج بيكو . كما أعطت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها اللورد بلفور وعداً للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين . وبعد صدور القرار الأممي بوضع دول الشرق الأوسط المستحدثة تحت وصاية الإنتداب حرصت بريطانيا ان تكون الدولة المنتدبة على فلسطين للعمل على تحقيق وعد بلفور.

وإبان الحرب العالمية الثانية ، تكرّر الضغط الصهيوني ، متذرعاً بما تعرّضت له الطائفة اليهودية في اوروبا من مذابح ومحارق نازية فاشية ، فأنتج إقامة دولة اسرائيل في قلب العالم العربي في فلسطين، كذراع متقدم في الشرق الأوسط لدول الغرب الرأسمالي ، وتسابقت الدول الكبرى في العالم للإعتراف باسرائيل ، ومدّها بمختلف وسائل الدعم والحماية لتثبيت وجودها في المنطقة.

واستكمالاَ لهذا النهج ، انصرفت أجهزة المخابرات العالمية للتلاعب بمصائر سائر دول المنطقة التي تعاني معظها من نزاعات داخلية ذات ابعاد دينية وطائفية ، واخرى ذات ابعاد عرقية ، وبالتالي من عدم استقرار وضعف في السلطة المركزية . فكثرت الإنقلابات العسكرية والنزاعات على السلطة والتفكك والعجز عن محاكاة ما يخصل في اسرائيل التي تتزايد قوتها وقدرتها على الإنتصار في حروبها العربية

وهكذا تتكرر المحاولات اليوم على يد ترامب ونتنياهو . استغّل نتنياهو مغامرات اذرع ايران في المنطقة ، وخاصة حركة حماس التي أطلقت “طوفان الأقصى” من غزة ، وحزب الله الذي أطلق حرب الإسناد من لبنان ، والحوثيون الذين اطلقوا حرب الإسناد من اليمن ضد اسرائيل، لشنّ حرباً تدميرية وإلغائية اجرامية. شملت قطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين ، ولبنان ، واليمن ثم سوريا ، وصولاً الى ايران ، بحجة حق اسرائيل الدفاع عن النفس في مواجهة العدوان المهدد لوجودها .ووجد نتنياهو في ترامب خير حليف لتنفيذ المرحلة الثالثة  من المشروع الصهيوني : إقامة اسرائيل الكبرى ، اوالأمبراطورية الإسرائيلية في الشرق الأوسط ، وربما أبعد حتى القرن الإفريقي وتقاسم النفوذ عليها مع الولايات المتحدة.

وفي الإجتماع الأخير الذي عقد بين ترامب ونتيناهو رسمت الخطوات التنفيذية لهذه المرحلة. وهذا ما نتج عنها على لسان الطرفين في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الإجتماع .

  • ترامب : اتفقنا على معظم الأمور ، وقمنا بعمل جيّد ، وهكذا سنستمر ، وسنكون دائماً معاً ، ونقف الى جانبك ، وسنكون حريصين على أن يستمر السلام في الشرق الأوسط كما نريده .
  • نتنياهو : نريد حدوداً آمنة مع سوريا ، ونريد حماية الأقليات فيها ، خصوصاً الدروز والمسيحيين والعلويين ، فوعده ترامب فوراً بأنه سيجعل الأمور تسير على ما يرام في بين اسرائيل وسوريا ، كما سيدعمه في توجيه ضربة لإيران اذا أصرّت على متابعة برنامجها النووي والسعي لإسقاط النظام .

وأكّد نتنياهو أنه ، بمساعدة الولايات المتحدة ينوي تحويل اسرائل الى قائد عالمي في مجال الذكاء الإصطناعي كما فعلها في مجال الأمن السوبراني.

وكان نتنياهو قد استبق اجتماعه مع ترامب ن فأعلن في 25كانون الأول 2025 ، الإعتراف “بدولة ارض الصومال”المنشقة عن دولة الصومال ، والتي بقيت معزولة عن العالم ، ففك عزلتها، ووعدها بمختلف وسائل الدعم والتطبيع معها ، وتطوير إقتصادها والحفاظ على امنها . لتكون نافذة اسرائيل على القرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر الجنوبي للتحكم بحركة الممر التجاري ، والضغط للتطبيع مع اسرائيل.

وأعلن ترامب أنه في صدد دراسة موضوع اعتراف الولايات المتحدة بدولة ارض الصومال، على غرار ما فعلته اسرائيل ، وتسربت معلومات بأنه سيربط ذلك بقبول سلطاتها السماح للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية فيها لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة وإقامتها قاعدة عسكرية لها في دولة جيبوتي المجاورة.

كل هذا يحصل بين ترامب ونتنياهو عن طريق الضغط الإقتصادي والسياسي ، والتهديد بالقوة للإخضاع والحصول على سلام الإستسلام ، ونسيان الموضوع الفلسطيني ، مع التذكير بما سبق لهما إعلانه عن الرغبة في تهجير اهل غزة الى الصومال ، واهل الضفة الى مصر والأردن، ومطالبة السعودية وسوريا ولبنان للتطبيع مع اسرائيل ، واقامة مناطق اقتصادية وامنية حول اسرائيل  ، لضمان امنها وسلامة اراضيها.

وبعد اجتماع الثنائي في فلوريدا بيوم واحد ، اقدم الرئيس ترامب على غزو فنزويلا واعتقال رئيسها ، والإعلان من ادارتها اميركياً  لتغيير نظامها والسيطرة على ثرواتها ، مهدداً الدول المجاورة بمصير شبيه بمصيرها ، إذا عرقلت سيطرته على القارة الأميركية بكاملها.

فماذا عن نتنياهو ؟ هل سيفعل في الشرق الأوسط ما فعله ترامب في تقارب الاميركية ؟ وما المصير الذي ينتظره لبنان وسوريا والعراق وايران؟

كذلك يصح السؤال : ماذا سيفعل بوتين في اوكرانيا ؟ والرئيس الصيني مع تايوان ؟

ويبقى السؤال : هل يحقّ لهؤلاء ، ما يحق لترامب ؟ وأين أصبح النظام العالمي والقوانين الأممية ؟