فلسطين كدولة تأسست سنة 1920 بموجب قرار أممي صادر عن عصبة الأمم المتحدة أوكل الانتداب عليها للحكومة البريطانية ، وهي الحكومة التي سبق لها واعطت على لسان أحد وزرائها وعد بلفور لمنظمة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هذا الوعد الذي رفضه الفلسطينيون والعرب وثاروا ضد محاولات تنفيذه مراراً ، فالأرقام تفيد أنه رغم الانحياز البريطاني لجانب الصهيونية العالمية وتسهيل استقدام المستوطنين اليهود من أوروبا للتركيب السكاني في فلسطين سنة 1945 على الشكل التالي: 240857 فلسطينياً و553،600 يهودياً معظمهم من أصول أوروبية لا علاقة لهم بفلسطين.

في هذا العام 1945 تدهورت الأوضاع الأمنية بين الميليشيات المسلحة اليهودية والفلسطينيين، وعجزت سلطات الانتداب البريطاني عن السيطرة ووقف الاشتباكات الدامية ، فقررت طرح موضوع فلسطين على منظمة الأمم المتحدة المشكلة لفضل النزاعات سلمياً في العالم وبعدالتدولات في الجمعية العامة للمنظمتة تقرر تشكيل لجنة تحقيق دولية أوصت بعد دراسات ميدانية بإقامة دولتين في فلسطين أحدهما يهودية والثانية فلسطينية على ان تخضع القدس لأهميتها الدينية لإدارة دولية . وفي دورة انعقاد الجمعية العامة سنة 1947 صدر بتاريخ 29/11/1947 القرار رقم 183 القاضي بالموافقة على حل الدولتين في فلسطين ، وشكل لجنة دولية خماسية لمتابعة مسار التنفيذ .واجه القرار للأممي مواقف متناقضة منه فالحكومة البريطانية رحبت به وأعلنت أنها ستنهي انتدابها على فلسطين في 15 أيار 1948. الصهيونية العالمية أعلنت قبولها به وقررت إقامة دولة إسرائيل على ما خصص لها من أرض فلسطين في 15 أيار 1948 ونفذت قرارها الذي سارعت الدول العظمى على الاعتراف بالقرار الصهيوني. الفلسطينيون والعرب رفضوا القرار وقرروا منع تحقيقه بالقوة فحصلت حرب 1948 التي انتهت بالفشل الذي أسموه النكبة وكان من تداعياتها في 1949 توقيع مصر ولبنان وسوريا وإمارة شرقي الأردن لمعاهدات هدنة مع الكيان الإسرائيلي واحتفاظ مصر بحكم قطاع غزة وإمارة شرق الأردن بالقسم الأكبر من فلسطين المخصصة للدولة الفلسطينية المفترضة في الضفة الغربية بما فيها القدس القديمة المقدسة هذا ما آلت إليه الأحوال وأسدل الستار على قرار حل الدولتين وغرقت المنطقة بسلسلة من النزاعات والحروب والانقلابات العسكرية التي مكنت إسرائيل من السيطرة على كامل أراضي فلسطين واحتلال سيناء المصرية والجولان السورية وغزو لبنان مرارا واقتطاع أجزاء منه وتمكنها في العام 1982 من احتلال عاصمته بيروت. وترافقت هذه الصراعات مع خفوت أصوات العقلانية والتسوية وارتفاع وتيرة التطرف العنصري والديني من جهة حكام إسرائيل يرفضون الاعتراف بوجود شعب فلسطيني وبالتالي إقامة دولة فلسطينية ويعلنون عزمهم على إقامة دولة إسرائيل الكبرى العنصرية اليهودية ، ومن جهة أخرى برزت أحزاب وحركات متطرفة قومية ومذهبية في المنطقة ترفض وجود دولة إسرائيل وتدعو إلى رمي اليهود في البحر وتحرير فلسطين من النهر للبحر.

 هذا كله عطل كل الحلول وأغرق المنطقة بنزاعات لا نهاية لها وأوصل الأوضاع إلى التفاقم الذي تعاني منه منذ 27 تشرين الاول 2023 والمستمر إلى اليوم في العام 2025 وفيما اعتبر صحوة ضمير عالمية رافضة لارتكابات إسرائيل في غزة والضفة واعتداءاتها على لبنان وسوريا واليمن والعراق وضغوطها على مصر والأردن والسعودية والدول الخليجة العربية مدعومة من ترامب والإدارة الأمريكية . وبناء لدعوة مشتركة فرنسية سعودية عقدة في حرم منظمة الأمم المتحدة في 28 و29 تموز 2025 مؤتمر يجدد المطالبة بحل الدولتين والتسوية للنزاعات في منطقة الشرق الأوسط وإحلال السلام الشامل والعادل . إن ما صدر عن المؤتمر يشكل خريطة طريق من المحتمل إقرارها في دورة الجمعية العامة خلال شهر أيلول المقبل فدول الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية سارعت للإعلان منذ الآن أنها ستؤيد اعتماد وجود الدولتين في فلسطين وتشجع على حل سائر نزاعات المنطقة سلميا لضمان تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط . وما يرخي الشكوك حول ضمان تحقيق ذلك هي ردود الفعل الانفعالية المتطرفة التي صدرت عن حكام إسرائيل والإدارة الأمريكية المنحازة كليا إلى جانب إسرائيل الرافضة لأي حلّ بتعلق بالقضية الفلسطينية والمهددة بإخلاء غزة والضفة وأدفع من الفلسطينيين وبسط سيطرة إسرائيل على كامل أرض فلسطين. المخاوف تتصاعد والمخاطر تتزايد والجميع ينتظر بقلق ما سيحصل في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول القادم.