18/8/2025
يحقُّ لفلاديمير بوتين أن يحتفل. عامله دونالد ترامب باحترام شديد. لولا حصافته لتوهّم أن الاتحاد السوفييتي لا يزال حياً، وأن صفته الفعلية هي الأمين العام للحزب الشيوعي.
لم يكتفِ ترامب بالاعتراف مرات عدة بأهمية روسيا دولةً كبرى. ذهب أبعد من ذلك. تصرّف وكأنَّ الغرب ارتكب خطيئة في أوكرانيا. فقد سبق له أن استدعى زيلينسكي إلى البيت الأبيض وأهانه. وصف الحرب في أوكرانيا بأنها «حرب بايدن» وليست حربه. ماذا يريد سيّد الكرملين أكثر من ذلك؟ غسل سيد البيت الأبيض يديه من مصير أوكرانيا، وقال لزيلينسكي إن عليه أن ينسى الأراضي التي احتلتها القوات الروسية.
أغلب الظن أن بوتين لم يكن يحلم بصدور مثل هذا الكلام عن الرجل الذي يُفترض أنه زعيم المعسكر الغربي. لم يتوقف عند خطورة استخدام الدبابات لشطب الحدود الدولية. ولم يعلّق على خطورة تغيير حدود الخرائط على القارة الأوروبية التي شهدت في القرن الماضي أهوال حربين عالميتين. تحدّث ترامب عن تكاليف الحرب والثروات التي أنفقتها أمريكا هناك، معتبراً أنّها أضاعتها. ألقى بعبء استمرار النزاع على كاهل الأوروبيين.
ليس بسيطاً أن يرى العالم بوتين يتقدَّم على السجادة الحمراء على الأرض الأمريكية ومن دون أن يقدّم للرجل المتلهف لاستقباله ولو هدية متواضعة من باب وقف النار أو هدنة للتفاوض في ظلها. هذا القيصر بخيل وعنيد وقاسي القلب ولا تخدعه ابتسامات الآخرين أو إشاداتهم.
كسر ترامب عزلة بوتين التي تسبب فيها قراره غزو أوكرانيا ولم يحصل في المقابل على ما يوازي هذه الخدمة الذهبية. حصل على عبارات تحكّ غروره الشاسع. قال بوتين إن ترامب محق في قوله إن الحرب في أوكرانيا ما كانت لتقع لو كان رئيساً لأمريكا ساعة اندلاعها.
يحق لفلاديمير بوتين أن يحتفل. لم يعتبر ترامب حرب أوكرانيا قضية يجب أن تُعالج وفقاً للقوانين الدولية وحسابات الاستقرار وميزان القوى، بل اعتبرها ثمرة سوء تصرّف مع روسيا من أوكرانيا وأوروبا والإدارات الأمريكية المتعاقبة.
لا يتعامل ترامب مع الحرب الأوكرانية انطلاقاً من موقعها وخطورتها بل يقاربها وكأنه الأم تيريزا، داعياً إلى وقف الجنازات وتدمير البنية التحتية. ويتخوَّف كثيرون في الغرب من أن يدفع العالم ثمن تطلع ترامب إلى جائزة نوبل للسلام واستعداده «لإيقاف الحروب كيفما اتفق».
لعب بوتين ضد الغرب أوراقاً عدة. أولها قناعة حلفائه وخصومه بأنه لا يستطيع أن يخسر في أوكرانيا لأنه سيخسر حينها الاتحاد الروسي. حرّك ببراعة ورقة التخويف من مواجهة نووية، خصوصاً عبر التصريحات الاستفزازية لظله ديمتري ميدفيديف. ونجح في الداخل الروسي في كبح أي صوت معارض للحرب وحتى في إسكات احتجاجات الأمهات أمام النعوش الراجعة من ساحة القتال. ونجح أيضاً في الإفادة من رغبة الصين العميقة في إضعاف أمريكا والغرب قبل موعد الوليمة المقبلة في تايوان. والغريب أن ترامب يعتبر نفسه الغطاء والمظلة والضمانة وصِمَامَ الأمان. ليس بسيطاً على الإطلاق أن يقول إن شي جين بينغ أبلغه بأن الصين لن تهاجم تايوان ما دام رئيساً لأمريكا، وهذا يعني بوضوح أن سلامة تايوان معلّقة ببقاء ترامب في المكتب البيضاوي. أسلوب غريب في مقاربة الأزمات والمصائر والملفات. قاموس السيّد الرئيس غريب وأسلوبه يشبه قاموسه.
لم يكن الحل أبداً أن تنخرط أمريكا في الحرب وتجازف بتوسيع النزاع. لكن الخروج من هذا النزاع وعلى قاعدة التسليم بالرواية الروسية سيعمق المخاوف الأوروبية، وسيطرح علامات استفهام كبرى حول خطورة النوم على الوسادة الأمريكية داخل حلف «الناتو» وخارجه. كان باستطاعة ترامب أن يعدّ، مع الحلفاء الأوروبيين، لإطار تفاوضي لا يدخله زيلينسكي عارياً من كل أوراقه. لكن ترامب ليس رئيساً لفريق. إنه عازف منفرد وليس قائداً لأوركسترا.
في التسعينات وبداية القرن الحالي كان السؤال عمَّا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي يتقدم على ما عداه. في تلك الأيام سألت الأمناء العامين للأحزاب الشيوعية في العراق والسودان ولبنان. كان القاسم المشترك بين الأجوبة أن العالم لن يعيش طويلاً في ظل الخلل الهائل لمصلحة الغرب، وأن روسيا ستنهض لاستعادة موقعها، وربما لتثأر من الغرب. وبعد تولي بوتين الرئاسة، ثمة من تحدّث عن أن المطبخ العسكري – الاستخباراتي اختار بوتين لمهمة إنقاذ الاتحاد الروسي من التفكك والثأر من الذين اغتالوا الاتحاد السوفييتي من دون إطلاق رصاصة.
في الغابة الدولية لا خيار غير أن تكون قوياً كي لا تكون الضحية. في الغابة الدولية الدول الصغيرة والضعيفة مأساة. هل يحق للقوي أن يصادر قرار جاره الضعيف، وأن يقتطع جزءاً من أراضيه متذرعاً بحكايات من التاريخ؟ وماذا عن الأمم المتحدة والقوانين الدولية وصمامات الأمان؟ هل الترسانات هي الوسائد الوحيدة، وهل السياسات العدوانية من ضرورات العيش في الغابة؟
من بعيد كانوا يراقبون خطوات القيصر على السجادة الحمراء في ألاسكا. زيلينسكي كان يراقب حزيناً. وكان المستشار الألماني قلقاً، وسيّد الإليزيه مرتبكاً، والمقيم في 10 دوانينغ ستريت تائهاً. ومن يدري فقد تكون الأزمة الأوكرانية مجرّد نموذج يثبت أن باستطاعة القوي أن يُملي شروطه وأن يتلاعب حتى بالخرائط. ليت لجنة جائزة نوبل تسارع إلى منح سيّد البيت الأبيض جائزتها علّ العازف المنفرد يعود إلى إشراك الدول المعنية في صناعة مصائرها.