أعادت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024 دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بعد أربع سنوات من خروجه من السلطة في ظل انقسام سياسي غير مسبوق وأحداث هزّت الثقة في العملية الانتخابية ذاتها. لم تكن عودة ترامب للسلطة مجرد تناوب تقليدي على الحكم، بل شكلت مؤشرًا سياسيًا بالغ الدلالة. فحركة ماجا التي ارتبطت باسم ترامب منذ 2016 لم تكن موجة عابرة، بل تيارًا راسخًا استطاع إعادة تنظيم نفسه وتوسيع قاعدته وترسيخ حضوره داخل الحزب الجمهوري ومؤسساته.
من هنا، لا يمكن التعامل مع ما يُعرف بـاليمين الجديد بوصفه مجرد خطاب احتجاجي أو انفعال سياسي ظرفي. فالسنوات الأخيرة شهدت تبلور شبكة من المفكرين والفاعلين السياسيين الذين سعوا إلى تأطير هذا التيار نظريًا، عبر نقد الليبرالية المعاصرة، والتشكيك في حياد مؤسسات الدولة، والدعوة إلى إعادة تعريف السيادة والهوية الوطنية. ومع عودة ترامب إلى الحكم، لم يعد هذا التيار يقف على هامش النظام، بل أصبح في موقع يسمح له بالتأثير المباشر في السياسات العامة وفي شكل الدولة.
يمكن القول إن انتخابات 2024 لا تمثل مجرد حدث انتخابي، بل لحظة كاشفة لتحول أعمق في بنية الحياة السياسية الأمريكية. وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن صعود اليمين الجديد وترسخه يرتبط بتصدعات بنيوية شهدها المجتمع الأمريكي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وأن هذا التيار يتشكل من تحالف اجتماعي وفكري متنوع، تحركه مجموعة من الأفكار المركزية-من المحافظة الاجتماعية ومعاداة النخبوية إلى القومية الاقتصادية والانعزالية-تمثل في مجملها مراجعة نقدية حادة لمبادئ الديمقراطية الليبرالية والتعددية والعولمة. وعليه، تسعى الدراسة إلى تحليل هذه التصدعات، وتفكيك البنية الفكرية لليمين الجديد، وبيان ما ينطوي عليه من توترات داخلية، ثم تقييم انعكاساته المحتملة على شرعية واستقرار النظام السياسي الأمريكي.
أولًا: التصدعات البنيوية في المجتمع الأمريكي وأثرها السياسي والاقتصادي والثقافي
لا يمكن فهم صعود اليمين الجديد بمعزل عن التحولات البنيوية التي أصابت المجتمع الأمريكي خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فهذه التحولات لم تكن سطحية أو ظرفية، بل مست أسس الاقتصاد، وبنية الطبقات الاجتماعية، وأنماط الحياة، وموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي.
من الناحية الاقتصادية، أدى تسارع العولمة منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحرير التجارة، ونقل الصناعات إلى الخارج، إلى إضعاف القاعدة الصناعية التقليدية في العديد من الولايات الداخلية. ورغم أن الاقتصاد الأمريكي ككل استفاد من الاقتصاد المعولم، فإن توزيع المكاسب كان غير متكافئ. فقد تركز النمو في القطاعات المالية والتكنولوجية وفي المدن الكبرى الساحلية، بينما شهدت مناطق صناعية واسعة تراجعًا في فرص العمل واستقرار الدخل. وقد أسهم ذلك في شعور متزايد لدى قطاعات من الطبقة الوسطى والعاملة بأن “الحلم الأمريكي” لم يعد متاحًا بالقدر نفسه، وأن النخب الاقتصادية والسياسية لم تعد تمثل مصالحهم.
سياسيًا، تزامن هذا التحول مع تراجع الثقة في الكونجرس والأحزاب التقليدية، وتصاعد الشعور بأن العملية السياسية أصبحت أسيرة شبكات المصالح الكبرى، وجماعات الضغط، والمؤسسات البيروقراطية الدائمة. وبرز في هذا السياق خطاب يتحدث عن “الدولة الإدارية” أو “النظام” بوصفه كيانًا منفصلًا عن الإرادة الشعبية، يمتلك قدرة على توجيه السياسات بمعزل عن نتائج الانتخابات. ومن ثم، لم يعد الاحتجاج موجّهًا فقط ضد حزب بعينه، بل ضد بنية الحكم نفسها.
أما ثقافيًا وديموغرافيًا، فقد شهدت الولايات المتحدة تحولات متسارعة في العقود الأخيرة، سواء من حيث زيادة التنوع العرقي والديني نتيجة الهجرة، أو من حيث التحولات في قضايا الأسرة والدين والجندر. ورغم أن التعددية كانت دائمًا جزءًا من التجربة الأمريكية، فإن وتيرة التغيير، مقترنة بصعود خطاب تقدمي قوي حول الهوية العرقية والمساواة، عززت لدى بعض الفئات شعورًا بأن الإطار الثقافي التقليدي للمجتمع يتغير بسرعة تفوق قدرتهم على التكيف معه. وفي هذا السياق، تحولت الهجرة من ملف إداري يتعلق بتنظيم الحدود إلى رمز أوسع يتعلق بالهوية الوطنية، والسيادة، وحدود الانتماء.
يمكن القول إن هذه التصدعات الثلاث — الاقتصادية، والسياسية، والثقافية — تفاعلت فيما بينها. فالتهميش الاقتصادي عزز الاستياء من النخب، وهذا الاستياء تداخل مع قلق ثقافي بشأن الهوية والقيم، ما أوجد بيئة خصبة لخطاب يعيد تعريف “الشعب” في مقابل “النخبة”، ويطرح استعادة السيادة بوصفها الحل. وهنا تحديدًا وجد اليمين الجديد أرضية اجتماعية وفكرية يتحرك عليها، مستفيدًا من شعور متراكم بأن النظام القائم لم يعد يحقق التوازن بين الديمقراطية والليبرالية كما كان يُفترض. بهذا المعنى، لا يظهر اليمين الجديد كتيار منفصل عن السياق، بل كتعبير عن أزمة تمثيل أعمق داخل الديمقراطية الأمريكية، أزمة تمس توزيع الثروة، وحدود السلطة، ومعنى الانتماء الوطني في عالم معولم.
ثانيًا: اليمين الجديد كتحالف اجتماعي وفكري متعدد المستويات
لا يمثل اليمين الجديد حزبًا مستقلًا أو تنظيمًا موحدًا بقدر ما يشكل تحالفًا واسعًا بين قوى اجتماعية وفكرية مختلفة، وجدت في اللحظة الترامبية إطارًا جامعًا لها. ومن ثم، فإن فهم هذا التيار يقتضي النظر إليه بوصفه شبكة متعددة المستويات، لا كتكتل أيديولوجي متجانس.
على المستوى الاجتماعي، يستند اليمين الجديد إلى قطاعات من الطبقة الوسطى والطبقة العاملة (خاصة البيضاء) في الولايات الداخلية، ممن شعروا بأن العولمة والتحولات الاقتصادية والثقافية أضعفت موقعهم. هذه القاعدة لا تتحرك بدافع اقتصادي فقط، بل بدافع شعور أوسع بفقدان الاعتراف الثقافي والسياسي. ومن هنا جاء خطاب “استعادة أمريكا” أو “جعل أمريكا عظيمة مجددًا” بوصفه تعبيرًا عن رغبة في إعادة التوازن، لا مجرد شعار انتخابي.
غير أن الحركة لا تقوم على القاعدة الشعبية وحدها، فقد انضم إليها أيضًا فاعلون من داخل النخبة السياسية والفكرية، ممن رأوا في الأزمة البنيوية التي تمر بها الديمقراطية الليبرالية فرصة لإعادة صياغة المشروع المحافظ. بعض هؤلاء ينتمي إلى مؤسسات فكرية محافظة تقليدية أعادت تموضعها، وبعضهم يمثل تيارات فكرية جديدة تنتقد الليبرالية من منظور أخلاقي أو ديني أو سيادي. وهكذا يتقاطع في هذا التيار مفكرون يدعون إلى “ما بعد الليبرالية”، وآخرون يركزون على استعادة مبادئ المؤسسين الأمريكيين، وآخرون يطرحون قومية اقتصادية أكثر صراحة.
وإلى جانب القاعدة الاجتماعية والنخب الفكرية والإعلامية، لا يمكن إغفال دور بعض دوائر رأس المال الكبير ونخب الأعمال داخل هذا التحالف، سواء عبر التمويل أو توفير منصات النفوذ أو دعم مرشحين بعينهم داخل الحزب الجمهوري. صحيح أن اليمين الجديد يتبنى خطابًا شعبويًا معاديًا لـ”النخبة”، إلا أن هذا الخطاب غالبًا ما يميز-ضمنيًا-بين “نخب عولمية” يُنظر إليها بوصفها جزءًا من المنظومة الليبرالية الثقافية والاقتصادية، وبين “نخب وطنية/مضادة” ترى نفسها في مواجهة هذا النموذج وتتبنى خطاب السيادة ومناهضة العولمة الثقافية.
ويمكن القول إن قوة اليمين الجديد لا تكمن فقط في أفكاره، بل في قدرته على الجمع بين مستويات مختلفة: قاعدة اجتماعية متضررة أو قلقة، ونخبة فكرية توفر التأطير النظري، ونخب اقتصادية وشبكات تمويل ومنابر أعمال تمنح الحركة موارد التأثير والاستدامة، إلى جانب سياسيين يسعون إلى تحويل هذا التأطير إلى برامج وسلطات تنفيذية. وهذا التداخل بين القاعدة الشعبية والنخب الفكرية والاقتصادية والسياسية يفسر كيف استطاعت الحركة أن تتجاوز كونها احتجاجًا انتخابيًا لتصبح تيارًا مؤثرًا في صياغة برنامج الحزب الجمهوري، بل وفي إعادة تحديد طبيعة الصراع السياسي في الولايات المتحدة.
ثالثًا: الأفكار المُؤسِسَة لليمين الجديد..مراجعة فكرية شاملة لليبرالية
ليس اليمين الجديد مجرد تجميع لشعارات انتخابية من نوع “أمريكا أولًا” أو “استعادة الحدود”، بل هو في كثير من تجلياته محاولة لإعادة صياغة الأسئلة التي تقوم عليها السياسة الأمريكية نفسها: ما معنى الحرية؟ وما حدود الدولة؟ ومن هو “الشعب” الذي تُمارس باسمه السيادة؟ وهل يمكن للديمقراطية أن تستمر دون إطار ليبرالي تعددي يقيّد سلطة الأغلبية ويحمي حقوق الأقليات؟ ومن ثم، فإن التعامل معه بوصفه مجرد احتجاج شعبوي أو ظاهرة شخصية مرتبطة بترامب يحجب ما هو أهم وهو أن الحركة اكتسبت، خلال السنوات الأخيرة، لغة نظرية تشرح نفسها عبر نقد الليبرالية، والطعن في حياد المؤسسات، وإعادة الاعتبار للهوية والثقافة بوصفها أساس الشرعية. ويمكن تفكيك هذه اللغة عبر سبعة محاور فكرية مترابطة لا تعمل منفصلة، بل تتغذى من بعضها: نقد الليبرالية، نقد الدولة الإدارية، التأكيد على الدولة القومية والسيادة الوطنية، الهجرة والهوية، الشعبوية، القومية الاقتصادية ثم التيار التقني السلطوي على الهامش.
1-ما بعد الليبرالية: نقد المنظومة الفردية وتآكل المجتمع الوسيط: يُعد نقد الليبرالية-لا بوصفها حزمة سياسات بعينها، بل بوصفها تصورًا للإنسان والمجتمع-نقطةَ الانطلاق لدى كثير من منظّري اليمين الجديد، ويظل كتاب باتريك دينين Why Liberalism Failed ?(لماذا فشلت الليبرالية؟) النص الأكثر تعبيرًا عن هذا المنحى. تقوم أطروحة دينين على مفارقة مركزية مفادها أن الليبرالية لم تفشل لأنها لم تُطبَّق، بل لأنها نجحت في إنفاذ منطقها الداخلي: تحرير الفرد من الروابط الوسيطة التي تمنح الحياة الاجتماعية تماسكها. فالليبرالية-في قراءته-ترفع “الحرية الفردية” إلى مرتبة القيمة العليا، وتتعامل مع الدين والأسرة والمجتمع المحلي بوصفها قيودًا ينبغي تخفيفها لصالح الاستقلال الفردي. غير أن النتيجة بعيدة المدى لهذا المنطق ليست تحرير الإنسان كما وعدت، بل إنتاج فرد أكثر عزلة وأقل قدرة على بناء تضامن اجتماعي، بما يفضي إلى مجتمع “مفكك” يصبح محتاجًا إلى توسع الدولة والسوق معًا لإدارة آثار التفكك. فحين تضعف الروابط الاجتماعية الوسيطة، تتسع الحاجة إلى تدخلات إدارية وتنظيمية (في الرعاية، والتعليم، والصحة، والتنظيم الأخلاقي غير المباشر)، ويتعاظم نفوذ السوق في تشكيل أنماط العيش والذائقة والقيم. وهكذا تتحول الليبرالية، في منظور دينين، إلى نظام يولّد أزمته الخاصة: تفكيك الروابط يخلق هشاشة، والهشاشة تستدعي إدارة، والإدارة تقوض بدورها الوعد الليبرالي الأصلي بالاستقلال والحرية.
وتظهر أهمية دينين لليمين الجديد في أنه يقدّم خطاب تحليل للأزمة: بدل اختزال التحولات في فساد النخب أو في انحراف حزب بعينه، تصبح الليبرالية نفسها-كنظام قيم ومؤسسات-مصدر الخلل. ومن ثم، تتفرع بقية محاور اليمين الجديد منطقيًا: نقد الدولة الإدارية بوصفها نتاجًا لفراغ اجتماعي وإداري صنعته الفردانية؛ وإعادة تعريف السيادة والهوية بوصفهما ردًّا على التفكك الثقافي؛ وتنامي الاستعداد لتقليص التعددية باسم “الصالح العام” أو حماية “هوية الأمة”.
2-نقد الدولة الإدارية والكاتدرائية الثقافية… أين تقع السلطة فعليًا؟: يمثل نقد ما يُسمّى في الخطاب الأمريكي بـالدولة الإدارية the Administrative State أحد الأعمدة الفكرية لليمين الجديد، لأنه يعيد تعريف السؤال السياسي مِن “مَن يحكم؟” إلى “أين تقع السلطة فعليًا؟”. فبدل اعتبار الديمقراطية منافسة حزبية داخل مؤسسات متوازنة، يرى هذا التيار أن مركز القرار الحقيقي انتقل تدريجيًا إلى منظومة واسعة من الأجهزة البيروقراطية والخبراء والمؤسسات الثقافية، بحيث يصبح التغيير الانتخابي محدودًا في أثره.
الأساس النظري لهذه الرؤية يظهر مبكرًا لدى جيمس برنهام في كتابه The Managerial Revolution (الثورة الإدارية). فبرنهام لا يتحدث عن مؤامرة خفية، بل عن تحوّل بنيوي في المجتمعات الحديثة، حيث أدّى تعقّد الاقتصاد وتضخم المؤسسات الي الفصل بين “الملكية” و”التحكم”، لتظهر طبقة إدارية تمتلك الخبرة التنظيمية وتدير المؤسسات الكبرى-الدولة والشركات والجيش والجامعات-بصفتها مواقع السيطرة الفعلية. في هذا الإطار تصبح السياسة أقل ارتباطًا بالتمثيل وأكثر ارتباطًا بالبنية الإدارية التي تضمن استمرار القرار وإعادة إنتاجه، بغض النظر عن تبدّل الحكومات.
وفي كتابه Leviathan and Its Enemies (ليفايثان وأعداؤه) يبني صمويل فرانسيس على هذا التحليل عبر توسيع معنى الطبقة الإدارية ليشمل ليس فقط الجهاز البيروقراطي، بل أيضًا النخب الثقافية والمعرفية التي تمتلك سلطة تعريف ما هو”مقبول” في المجال العام. فالمسألة ليست فقط أن البيروقراطية دائمة، بل أن هناك بنية اجتماعية–ثقافية تدير” لغة الشرعية”: الجامعات، الإعلام، المؤسسات المهنية، والمنظمات التي تنتج المعايير الأخلاقية السائدة. وبهذا يصبح الصراع، في نظره، صراعًا بين مجتمع يشعر بالإقصاء وبين منظومة حكم ترى نفسها وصية على القيم والأهداف.
هنا تظهر فكرة الكاتدرائية (Cathedral) كما صاغها كورتس يارفن. والمقصود بالكاتدرائية ليس دينًا ولا مؤسسة رسمية واحدة، بل شبكة من المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تعمل وفق هذا التصور بوصفها جهازًا غير منتخب لتوجيه الوعي العام وتحديد حدود الخطاب المشروع. وتلتقي هذه الفكرة مع ما يطرحه نِك لاند في نصهThe Dark Enlightenment (التنوير المظلم) من أن الديمقراطية الليبرالية ليست مجرد نظام انتخابي، بل منظومة معرفية–أخلاقية تنتج توافقًا قسريًا حول ما يجوز قوله وما لا يجوز، وأن مقاومة هذا التوافق لا تكون غالبًا عبر “الإقناع داخل النظام” بل عبر كسر آلياته أو الانفصال عنها.
يمكن القول، إذن، إن اليمين الجديد لا يعادي “النخبة” بمعنى واحد. بل يبني صورة مركبة لخصمه: بيروقراطية دائمة تقيّد السلطة المنتخبة، ونخبة ثقافية–معرفية تُنتج الشرعية وتحدد معايير الخطاب. ومن هنا نفهم لماذا يتوسع هجومه ليشمل القضاء والجامعات والإعلام معًا: لأنها تُرى كحلقات في منظومة واحدة تكرس هيمنة الإطار الليبرالي.
3-العودة للقومية والسيادة والهوية الحضارية: يمثل البعد القومي أحد أكثر العناصر تماسكًا داخل اليمين الجديد، ليس بوصفه نزعة عاطفية أو خطابًا وطنيًا عامًا، بل بوصفه نظرية سياسية ترى أن الدولة القومية هي الإطار الطبيعي للشرعية، وأن العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية أضعفت قدرة المجتمعات على ضبط مصيرها. في هذا السياق، يقدّم يورام هازوني في كتابه The Virtue of Nationalism (فضيلة القومية) دفاعًا منهجيًا عن القومية باعتبارها مبدأ أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد. فالقومية، في قراءته، ليست مرادفًا للعنصرية أو العدوانية، بل تعبير عن حق المجتمعات في تقرير مصيرها داخل إطار سيادي مستقل. ويرى أن البديل عن الدولة القومية ليس عالم معولم تحكمه قيم كونية، بل نوع من الإمبراطوريات المقنّعة: كيانات فوق وطنية تتوسع باسم حقوق الإنسان أو الأسواق المفتوحة أو النظام الدولي، لكنها في الواقع تُضعف استقلال الدول القومية وتفرض نمطًا واحدًا للحكم والقيم.
هذا الدفاع عن السيادة الوطنية يتقاطع مع نزعة عامة في اليمين الجديد ترى أن النخب الليبرالية الأمريكية بالغت في ربط الشرعية بالقيم الكونية (الديمقراطية، حقوق الإنسان، حرية التجارة)، على حساب فكرة “المصلحة الوطنية” وفكرة “المجتمع السياسي المحدود” الذي يملك الحق في أن يضع أولوياته الخاصة. ومن هنا يصبح شعار “America First” ليس مجرد شعار انتخابي، بل تلخيصًا لفلسفة سياسية ترفض تمييع السيادة في شبكات دولية أو في التزامات خارجية طويلة المدى.
غير أن لغة السيادة لا تعمل وحدها، فهي ترتكز غالبًا على تصور أوسع عن الهوية الثقافية. هنا يظهر أثر صمويل هنتنجتون في كتابه الشهير The Clash of Civilizations (صدام الحضارات) بوصفه مصدرًا لإطار تحليلي يرى أن السياسة العالمية بعد الحرب الباردة لم تعد تُفهم أساسًا عبر الصراع الأيديولوجي أو المصالح المادية، بل عبر الهوية الحضارية: الدين، والثقافة، واللغة، وأنماط العيش. هنتنجتون لا يُقدم نصًا أيديولوجيًا، لكنه يضع فكرة محورية تلتقطها خطابات قومية لاحقة: أن الغرب لم يعد قادرًا على فرض قيمه على الحضارات الأخرى، وأن التحديث لا يعني بالضرورة “تغريب” المجتمعات الأخرى، وأن الصراع قد يتحول إلى صراع على الحدود الثقافية والقيمية. بالنسبة لدوائر اليمين الجديد، تتيح هذه الرؤية إعادة تفسير ملفات مثل الهجرة أو التعليم أو الدين بوصفها جزءًا من معركة هوية، لا مجرد نقاشات سياسة عامة.
يمكن القول إن هذه المرجعيات تُسهم في صياغة لغة مشتركة لدى اليمين الجديد: السيادة ليست مجرد إدارة حدود، بل هي دفاع عن إطار ثقافي وقيمي. غير أن هذه اللغة تظل عامة ما لم تُترجم إلى سؤال عملي شديد الحساسية: من يملك حق الانتماء إلى الجماعة السياسية؟ وما حدود “الشعب” الذي تُمارس باسمه السيادة؟ وهنا بالضبط تنتقل القومية من مستوى المبدأ إلى مستوى الاختبار، وتصبح الهجرة والتنوع الثقافي نقطة الاشتباك المركزية، وهو ما يقودنا إلى المحور التالي.
4-الهجرة والتنوع الثقافي والعرقي كتهديد للهوية الوطنية: يقدم اليمين الجديد الهجرة كقضية تتعلق بالسيادة وضبط الحدود وتطبيق القانون، لكنه يربطها أيضًا بتغيرات سكانية وثقافية متسارعة يراها مصدرًا للقلق. ففي كتابه The Death of the West (موت الغرب) يصوغ باتريك بيوكانن المرشح الجمهوري السابق سردية تربط بين انخفاض الخصوبة في الغرب، وتراجع التماسك الثقافي، وبين الهجرة بوصفها عاملًا يعيد تشكيل المجتمعات من الداخل. القيمة التحليلية هنا ليست في الإحصاءات بقدر ما هي في الإطار التفسيري: الهجرة تُقرأ كتحول يمس “مصير الحضارة” والهوية، لا كمسألة قابلة للحل عبر أدوات إدارية وتقنية.
ومن زاوية ثانية، يتخذ القلق الديموغرافي صيغة أكثر حدّة في الأدبيات الأوروبية التي تسرّبت إلى المجال الأمريكي. رينو كامو في Le Grand Remplacement (الاستبدال العظيم) لا يصف التغير السكاني بوصفه تنوعًا متزايدًا، بل بوصفه “استبدالًا” لشعب بآخر. ورغم اختلاف السياق الأمريكي عن الفرنسي، فإن أهمية كامو في البيئة الفكرية لليمين الجديد تكمن في أن مفهوم “الاستبدال” يوفر لغة شديدة القابلية للانتقال: إذ يحوّل التحول الديموغرافي من نتيجة تاريخية/اقتصادية معقدة إلى سردية صراعية، تُلمّح أحيانًا إلى أن التغيير ليس عفويًا، بل “مقصودًا” أو مستفادًا منه سياسيًا. ومع انتقال هذا المفهوم إلى الخطاب الأمريكي، غالبًا ما يُعاد صياغته بلغة استجلاب الديمقراطيين لناخبين جدد (من المهاجرين) أو تغيير التوازنات لصالح الحزب الديمقراطي. ويسمح هذا التأطير بدمج القلق العرقي داخل خطاب سياسي عن السيادة والانتخابات دون الحاجة لاستخدام خطاب عنصري مباشر.
إلى جانب ذلك، يقدم كتابTaking America Back for God (استعادة أمريكا لله) لأندرو وايتهيد وصمويل بيري إطارًا تفسيرياً بالغ الأهمية لفهم البعد الديني–الهوياتي في هذا الصراع، عبر مفهوم “Christian Nationalism” (القومية المسيحية). يوضح الكتاب أن الأمر لا يتعلق بالتدين الفردي وحده، بل برؤية ثقافية–سياسية ترى الولايات المتحدة أمة ذات هوية مسيحية ينبغي أن تبقى مهيمنة في المجال العام، وأن تمدد التعددية الدينية والثقافية ومعها سياسات الاعتراف بالهويات الثقافية المختلفة Recognition يمثل تهديدًا لهذا الأساس. وبهذا المعنى، تتحول قضايا الهجرة والتنوع والعدالة العرقية إلى قضايا “هوية وطنية” لا تُناقش فقط عبر القانون، بل عبر تصور لماهية الأمة نفسها: أمة مدنية تعددية، أم أمة ذات مضمون ثقافي/ديني محدد.
5-الشعبوية كمنطق للشرعية: من نقد النخبة إلى رفض التعددية: لفهم اليمين الجديد لا يكفي وصف خصومه بوصفهم “نخبة”، بل ينبغي الانتباه إلى الكيفية التي يعيد بها هذا التيار تعريف الشرعية السياسية نفسها عبر منطق شعبوي واضح. فيPopulism: A Very Short Introduction (الشعبوية: مقدمة قصيرة جدًا)، يعرّف كاس مودّه وكريستوبال روفيرا كالتفاسر الشعبوية بأنها أيديولوجيا تبسيطية تقوم على تصور ثنائي للعالم السياسي حيث المجتمع منقسم إلى معسكرين متجانسين ومتعارضين-الشعب النقي في مواجهة “النخبة الفاسدة”-وتفترض أن السياسة ينبغي أن تعبّر عن “الإرادة العامة” للشعب. أهمية هذا التعريف أنه يوضح أن الشعبوية ليست مجرد أسلوب خطابي أو كاريزما قيادية، بل إطار يحدد من هو صاحب الحق في الحكم ومن هو “غير شرعي” في المجال العام.
ضمن هذا المنطق، لا يتم تعريف “الشعب” بوصفه مجموع المواطنين في تنوعهم، بل بوصفه جماعة ذات مضمون أخلاقي وثقافي، لها “وعي مشترك” يفترض أنه واحد. وهنا تتجاوز الشعبوية كونها معاداة للنخبة لتصبح، في جانب منها، معاداة للتعددية: فإذا كانت هناك إرادة عامة واحدة، فإن الاختلاف الداخلي لا يُقرأ كطبيعة سياسية واجتماعية في مجتمع متنوع، بل يُقرأ بسهولة بوصفه نتيجة تلاعب النخب، أو بوصفه انحرافًا عن “هوية الأمة” الحقيقية. ومن ثم، يصبح الخلاف السياسي أقل قابلية لأن يُنظر إليه بوصفه تنافسًا مشروعًا، وأكثر قابلية لأن يتحول إلى صراع على من يمثل الشعب تمثيلًا أصيلًا.
يمكن القول إن الشعبوية هنا تؤدي وظيفة محورية داخل اليمين الجديد: فهي تربط بين السخط الاجتماعي وبين مشروع سياسي يطالب بإعادة تعريف الشرعية لصالح “الشعب” بوصفه وحدة متجانسة. وهي بذلك تمهد-أحيانًا-لخطاب استثنائي يرى أن إنقاذ الأمة يتطلب تجاوز الأعراف الإجرائية التقليدية، ما يجعل الشعبوية ليست فقط خطابًا ضد النخب، بل جزءًا من مراجعة أعمق لحدود التعددية الليبرالية في الولايات المتحدة.
6-القومية الاقتصادية ومناهضة العولمة: استعادة الدولة الوطنية من السوق العالمية: يمثل البعد الاقتصادي أحد أهم عناصر تمايز اليمين الجديد عن النسخة الريجانية التقليدية (نسبة لرونالد ريجان) من المحافظة الأمريكية. فبينما كانت الحركة المحافظة المهيمنة داخل الحزب الجمهوري خلال العقود الماضية تميل إلى تمجيد السوق الحرة وتحرير التجارة بوصفهما طريقًا للنمو والقيادة العالمية، يتعامل اليمين الجديد مع العولمة الاقتصادية باعتبارها أحد أهم مصادر التصدع الداخلي: فقد أعادت توزيع المكاسب لصالح قطاعات مالية وتكنولوجية متركزة في المدن الكبرى، بينما تركت مناطق صناعية واسعة في الداخل الأمريكي تواجه تراجع فرص العمل، وركود الأجور، وتآكل الاستقرار الاجتماعي. ومن ثم، لم يعد نقد “التجارة الحرة” مجرد شعار انتخابي، بل أصبح جزءًا من تصور أوسع يرى أن السوق العالمية-كما تشكلت منذ التسعينيات-قوّضت قاعدة “أمريكا المنتِجة” لصالح نموذج اقتصادي أكثر انفصالًا عن المجتمع.
هذا التحول يجد أصولًا مبكرة في كتابات باتريك بيوكانن، الذي جمع بين النقد الثقافي والهواجس الديموغرافية من جهة، وبين نقد العولمة الاقتصادية من جهة أخرى. ففيThe Death of the West (موت الغرب) لا يتعامل بيوكانن مع الاقتصاد بمعزل عن الهوية، بل يرى أن العولمة-بما تتضمنه من نقل للصناعة وتراجع للعمالة الصناعية-تؤدي إلى تفكيك الجماعات الوطنية من الداخل، وتضعف الروابط الاجتماعية التي كانت تصنع “الأمة” كمجتمع سياسي متماسك. هذا الربط بين الاقتصاد والهوية هو ما يجعل “القومية الاقتصادية” في اليمين الجديد ليست سياسة صناعية فحسب، بل جزءًا من مشروع استعادة السيادة.
ومن هنا تتبلور فكرة “القومية الاقتصادية” في اليمين الجديد بوصفها إعادة ترتيب للأولويات: حماية الصناعة الوطنية، إعادة الاعتبار للعمالة الإنتاجية، استخدام أدوات الدولة-ولو بحذر-للدفاع عن مصالح داخلية مباشرة، والتشكيك في القواعد التي جعلت السوق العالمية يبدو كقوة أعلى من الدولة الوطنية، وهو ما يفسر لماذا يلتقي هذا المحور اقتصاديًا مع محور السيادة سياسيًا: فالدولة القومية، في هذا التصور، لا يمكن أن تكون “سيدة قرارها” إذا كانت قواعد التجارة العالمية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود تتحكم في قلب الاقتصاد.
7-النزعة التقنية–السلطوية Techno-Authoritarianism: من نقد الليبرالية إلى نقد الديمقراطية نفسها: إلى جانب التيارات القومية والاجتماعية المحافظة، يظهر داخل البيئة الفكرية المحيطة باليمين الجديد اتجاه أكثر راديكالية يرتبط ببعض دوائر التكنولوجيا ورأس مالها، ويطرح سؤالًا يتجاوز نقد الليبرالية إلى التشكيك في الديمقراطية الجماهيرية بوصفها آلية للحكم. هذا التيار لا يمثل الاتجاه السائد داخل القاعدة الاجتماعية للحركة، لكنه مهم تحليليًا لأنه يكشف عن “حدود” المشروع وعن أقصى ما يمكن أن يصل إليه نقد المؤسسات والقيود الليبرالية حين يُترجم إلى تصور بديل للشرعية والفعالية.
في مقاله The Dark Enlightenment (التنوير المظلم)، يقدم نِك لاند نقدًا جذريًا للديمقراطية، معتبرًا أنها ليست نظامًا محايدًا، بل “اتجاه” يولّد، بحكم آلياته، توسع الدولة، وتغوّل البيروقراطية، وتآكل القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى. وهو يرى أن الديمقراطية الليبرالية لا تكتفي بتنظيم السلطة، بل تنتج منظومة أخلاقية–معرفية تحرس حدود المقبول في المجال العام. ومن هنا يصوغ لاند فكرة أن الإصلاح من داخل الديمقراطية غالبًا غير ممكن، وأن البديل الأكثر عقلانية هو “الخروج” (exit) أو تفكيك وحدات الحكم إلى كيانات أصغر وأكثر تنافسًا.
هذه الفكرة تلتقي مع ما يقترحه كورتِس يارفن في نصوص مثل “Patchwork” (الرقع السياسية) وFormalist Manifesto (بيان شكلي)، حيث يعيد تعريف الدولة بوصفها كيانًا إداريًا يجب أن يُقاس أداؤه بالكفاءة، لا بالتمثيل الشعبي. يارفن يقترح نموذجًا يقترب من فكرة “الدولة–الشركة”، حيث تُدار السيادة كملكية، ويصبح “الخروج” هو آلية المحاسبة بدل الانتخابات. وفي هذه الرؤية لا تكون المشكلة في فساد السياسيين فقط، بل في منطق الديمقراطية ذاته الذي يفصل-في نظرهم-بين القرار وتبعاته ويجعل الحكم عرضة للشعبوية القصيرة النفس أو للمزايدات.
يمكن القول إن القيمة الأهم لهذا المحور في دراسة اليمين الجديد ليست في حجمه الشعبي، بل فيما يكشفه من تناقض داخلي: حركة ترفع شعار تمكين “الشعب” ضد النخب، تضم في محيطها أفكارًا نخبوية تشكك في حكم الأغلبية ذاته وتبحث عن نماذج حكم أكثر “إدارية” و”فعالية”. وهذا التناقض سيظهر مرة أخرى عند مناقشة حدود الحركة وإشكالاتها.
يمكن القول إن محاور اليمين الجديد السبعة التي تناولناها لا تعمل كقوائم منفصلة، بل تتداخل داخل تصور واحد: نقد فلسفي لليبرالية بوصفها منتجة للتفكك، وتشخيص مؤسسي يرى السلطة في الدولة الإدارية والكاتدرائية الثقافية، وإعادة مركزية القومية والسيادة، وتحويل الهجرة والعرق إلى سؤال عضوية وهوية، ثم توظيف الشعبوية لإعادة تعريف الشرعية ضد النخب والمؤسسات، مع نقد اقتصادي للعولمة، وصولًا إلى تيار تقني–سلطوي على الهامش يذهب إلى التشكيك في الديمقراطية نفسها. ومن ثم، لا يبدو اليمين الجديد مجرد تعديل في أجندة الحزب الجمهوري، بل أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب المبادئ التي قامت عليها الديمقراطية الليبرالية الأمريكية.
رابعًا: التناقضات الداخلية وأثر اليمين الجديد على شرعية الديمقراطية الليبرالية
يستمد اليمين الجديد جزءًا مهمًا من قوته من قدرته على جمع مظالم اقتصادية وثقافية ومؤسسية داخل سردية واحدة. غير أن هذا التجميع نفسه ينتج توترات داخلية لا يمكن تجاهلها، كما أن المشروع-حتى حين يُقدَّم بوصفه “تصحيحًا” للديمقراطية-يحمل آثارًا محتملة على شرعية الإطار الليبرالي واستقراره. فمن ناحية، يرفع اليمين الجديد خطابًا شعبويًا يُعلي من شأن “الشعب الحقيقي” في مواجهة “النخبة”، لكنه في الوقت ذاته يعتمد بدرجة كبيرة على نخبة فكرية وتنظيمية-مراكز أبحاث، منظّرون، شبكات إعلامية، وفاعلون حزبيون-تقوم بتأطير الحركة وصياغة مفرداتها وإنتاج شرعيتها. المفارقة هنا ليست شكلية؛ إذ تطرح سؤالًا حول ما إذا كنا أمام تمكين فعلي لقطاعات مهمشة أم إعادة إنتاج للهيمنة عبر نخب بديلة تدّعي التحدث باسم الشعب. ويزداد هذا التوتر حين يُعاد تعريف “الشعب” كوحدة أخلاقية متجانسة، بما يجعل الاختلاف الداخلي قابلًا للتأويل كخروج على الأمة أو كنتاج “تلاعب” نخبوِي.
ومن ناحية أخرى، تتعقد المفارقة الشعبوية أكثر حين نلتفت إلى دور النخبة المالية. فبينما يقوم الخطاب على ثنائية الشعب مقابل النخبة، لعبت شبكات من أصحاب الثروات الكبرى دورًا مهمًا في تمويل المنظومة الإعلامية، والتنظيمية للحركة، ودعم مرشحيها، ومنابرها. هذا لا يعني أن الحركة مصطنعة؛ فقاعدتها الاجتماعية حقيقية، وغضبها متجذر. لكنه يعني أن “النخبة” هنا لا تُفهم باعتبارها كل رأس المال، بل باعتبارها نخبة بعينها تُوصَف بأنها عولمية/ليبرالية/ثقافية، في مقابل نخب “وطنية” أو “مضادة” يُنظر إليها كحليف مشروع. غير أن هذا الترتيب يظل مصدر توتر بنيوي، لأن تصاعد مطالب الحماية الاجتماعية أو إعادة التصنيع أو ضبط قوة الشركات الكبرى قد يصطدم بمصالح قطاعات من رأس المال داخل التحالف نفسه، ما يجعل استمرار نقل مركز الصراع من الاقتصاد إلى الهوية شرطًا ضمنيًا لاستقرار التحالف.
ويتجلى تناقض ثالث في علاقة الحركة بالدولة. فاليمين الجديد يهاجم “الدولة الإدارية” ويطالب بإضعافها أو تفكيكها، لكنه يميل في الوقت ذاته إلى تفضيل سلطة تنفيذية أقوى وأكثر قدرة على الحسم، وهنا تظهر مفارقة واضحة: كيف يمكن تقليص نفوذ البيروقراطية دون توسيع سلطة المركز؟ وكيف يمكن “إعادة تشكيل” المؤسسات دون إنتاج بيروقراطية جديدة أكثر تسييسًا؟ بهذا المعنى، لا يرفض التيار الدولة كأداة، بل يرفض دولة بعينها، الدولة الليبرالية القائمة بقواعدها وقيودها وحيادها المعلن وتتحول المعركة إلى صراع على من يملك الدولة وكيف تُدار، لا إلى صراع على وجود الدولة من الأصل.
كما يواجه المشروع حدودًا تتعلق بالهوية والتعددية. فالحركة ترتكز على قلق واضح بشأن الهجرة والتنوع الثقافي وسياسات العدالة العرقية، وتقدّم ذلك بوصفه أزمة هوية وانتماء. غير أن الولايات المتحدة، بحكم تاريخها وبنيتها الديموغرافية، مجتمع متنوع يصعب تحويله إلى نموذج تجانس ثقافي كامل. ومن ثم، فإن تصعيد “حرب الثقافة” قد يعمّق الاستقطاب بدل احتوائه، ويحوّل السياسة إلى صراع دائم حول من يستحق الانتماء ومن لا يستحقه. وهذه النقطة تمس جوهر الشرعية الديمقراطية: قبول الخصم بوصفه جزءًا من الجماعة السياسية شرط للاستقرار، بينما منطق الاستقطاب الهوياتي يدفع في الاتجاه المعاكس.
الأثر الأبرز لليمين الجديد، ربما، هو تحويل الصراع من منافسة سياسية داخل قواعد مشتركة إلى صراع على تعريف الشرعية نفسها. فعندما تُقدَّم مؤسسات مثل القضاء والإعلام والجامعات والبيروقراطية بوصفها حلقات في “النظام الليبرالي”، يصبح من السهل الطعن في قراراتها بوصفها غير شرعية من الأساس. وحين تُقدَّم المعارضة السياسية بوصفها “خطرًا وجوديًا”، تتراجع المسافة بين الاختلاف السياسي ونزع الشرعية عن الخصم، بما يضعف منطق التداول ويعمّق الانقسام.
وأخيرًا، حتى مع تركيز هذه الدراسة على الداخل الأمريكي، يمكن القول إن اليمين الجديد يشكك في مسلمات الإطار الليبرالي الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود: التجارة الحرة، والالتزامات الخارجية، والتدخلات الطويلة. وإذا تحولت هذه النزعة إلى سياسة مستقرة، فإنها لا تعيد ترتيب أولويات الداخل فقط، بل قد تعيد تعريف دور الولايات المتحدة عالميًا-من قائد لمنظومة ليبرالية إلى دولة تفضّل السيادة الصلبة والصفقات القصيرة واعتبارات المصلحة المباشرة-وهو ما ينعكس، بالضرورة، على مستقبل العولمة وعلى قدرة المؤسسات الدولية على الاستمرار بالزخم ذاته.
خامسا: دلالات الظاهرة وحدودها
تؤكد عودة دونالد ترامب إلى السلطة في 2024 أن اليمين الجديد لم يكن لحظة احتجاج عابرة، بل تعبيرًا سياسيًا وفكريًا عن أزمة أعمق في الديمقراطية الأمريكية. ويمكن القول إن جوهر هذه الأزمة يتمثل في تلاقي ثلاث مسارات: تهميش اقتصادي واجتماعي في قطاعات من الداخل الأمريكي، وتسارع التحولات الثقافية والديموغرافية، وتراجع الثقة في المؤسسات بوصفها وسيطًا محايدًا بين المصالح والهويات. في هذا السياق، استطاع اليمين الجديد أن يقدم نفسه كبديل يَعِد باستعادة السيادة، وإعادة الاعتبار للهوية، وكسر نفوذ “النظام” الإداري–الثقافي الليبرالي، مستندًا إلى منظومة فكرية تراجع الليبرالية بوصفها إطارًا فلسفيًا لا مجرد سياسات.
غير أن هذه المنظومة تحمل بدورها توترات داخلية واضحة: فهي تجمع بين شعبوية ترفع شعار “الشعب” وبين حضور قوي للنخب الفكرية والمالية؛ وتهاجم الدولة الإدارية بينما تميل إلى توسيع السلطة التنفيذية؛ وتستثمر في حرب الهوية داخل مجتمع شديد التنوع؛ وتنتقد العولمة لكنها تعمل داخل اقتصاد عالمي شديد الترابط. وهذه التناقضات لا تعني بالضرورة ضعف الحركة، لكنها تشير إلى أن قدرتها على التحول إلى مشروع مستقر ستظل مشروطة بإدارة هذه التوترات، وبقدرتها على إنتاج توازن جديد بين المطلب الشعبوي وضرورات الدولة الحديثة.
ومن زاوية أوسع، تعيد الظاهرة طرح سؤال مركزي يتعلق بمستقبل الديمقراطية الليبرالية نفسها: هل ما نشهده هو مجرد تصحيح لمسار ليبرالي بالغ في الاعتماد على النخب والمؤسسات غير المنتخبة، أم أنه انزلاق نحو نموذج “ديمقراطية غير ليبرالية” يحتفظ بالانتخابات لكنه يضعف الضوابط التي تحمي الحقوق وتضمن الحق في الاختلاف وتمنع تحويل السياسة إلى صراع على شرعية النظام؟
بهذا المعنى، لا تمثل الترامبية-ولا اليمين الجديد-مجرد مشهد أمريكي داخلي، بل نافذة لفهم أزمة أوسع تطال الديمقراطيات الغربية: أزمة تمثيل، وأزمة هوية، وأزمة شرعية. وفهم هذه الظاهرة على نحو جاد يظل شرطًا لفهم المرحلة المقبلة في السياسة الأمريكية، وما قد تتركه من آثار على النظام الدولي الليبرالي الذي تشكلت الولايات المتحدة في قلبه منذ منتصف القرن العشرين.