تشهد إيران حالياً موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، كان المُفجِّر الأساسي لها تراجع سعر العملة الوطنية بشكل كبير أمام الدولار، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وسط تردي قطاعات اقتصادية عدة في البلاد تحت وطأة العقوبات الأممية، لتأخذ هذه الاحتجاجات، مثل سابقتها، منحى العنف والعنف المضاد من جانب المتظاهرين والسلطات، على الرغم من سلميتها خلال الأيام الأولى، والاكتفاء بمظاهرات متفرقة في عموم البلاد، مدعومة بفئات عدة مثل عمال النفط، وطلاب الجامعات والمعلمين وسائقي الشاحنات، الذين شاركوا طبقة البازار احتجاجاتهم في أكثر من مدينة إيرانية، على رأسها كرمنشاه التي شهدت إغلاقاً كلياً للمحال التجارية، فيما أسفرت الاحتجاجات – حتى وقت كتابة الدراسة – عن مقتل 7 مواطنين بين متظاهرين وعناصر أمن، إلى جانب عدد من الجرحى، وتضرر مبانٍ رسمية، وذلك في 15 مدينة شهدت احتجاجات متفاوتة الحده تركز أغلبها غربي البلاد.

وشهد اليوم السادس من الاحتجاجات منعطفاً مهماً، تمثل في تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الاحتجاجات بشكل مباشر، بتدوينة له على منصته الإلكترونية “تروث سوشيال” يقول فيها: “إذا أطلقت إيران النار وقتلت بعنف متظاهرين سلميين، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستأتي لإنقاذهم، نحن في حالة تأهب قصوي وجاهزون للتحرك”، وهو ما دعا المسئولين الإيرانيين للرد على التهديد الأمريكي فور كتابته، واستخدامه داخلياً في سردية النظام التقليدية حول ضلوع الغرب وإسرائيل في التآمر على استقرار الداخل الإيراني.

وعلى الرغم مما أبداه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من تفهم حيال الاحتجاجات فور اندلاعها، بتأكيده على أنه لا يمكن إرجاع أسباب الاحتجاجات في مجملها إلى الخارج، وأن الإخفاق في إدارة بعض الملفات يعد سبباً فيها، وإشارته إلى إصدار تعليمات لوزير الداخلية بالاستماع إلى المطالب المشروعة للمتظاهرين من خلال الحوار مع ممثليهم، فإن تحول المظاهرات للعنف، يؤكد على فرضية مفادها انفصال السلطات الأمنية في إيران عن نسق تغيرات المجتمع الإيراني، وأنها لا تجيد قراءة مشهد موجات الاحتجاجات التي اتسمت بالاستمرارية والتنوع الجغرافي والاجتماعي، واختلاف الشرارات المسببة لاندلاعها، بينما كان القاسم المشترك بينها يتمثل في كونها تعبيراً عن تحول عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إذ لم تعد الاحتجاجات الإيرانية قابلة للفهم ضمن الأطر التقليدية التي تربط الحراك الاجتماعي بمطالب اقتصادية مباشرة أو رفض لتشريعات وسياسات قمعية يمارسها النظام. فرغم أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية تشكل خلفية مهمة لمجمل أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنها لا تفسر وحدها الطبيعة المتكررة للاحتجاجات، واتساعها الجغرافي، وغياب قياداتها الواضحة، بل واستمرارها رغم موجات القمع الذي تمارسه السلطات الأمنية. كل هذا يشير إلى تحول عميق في العلاقة بين النظام والمجتمع.

من هذا المنطلق، تحاول الدراسة إلى جانب تفكيك أسباب الاحتجاجات الحالية، وتداعياتها وتأثيرها المحتمل، تناول أزمة الفجوة المتزايدة بين مجتمع يتحرك بسرعة كبيرة على مستوى القيم وأنماط الحياة والتنظيم الاجتماعي، ونظام ما زال يعتمد على أدوات ضبط صممت لسياق ثوري تعبوي مختلف. تم التعبير عن هذه الفجوة باحتجاجات مستمرة منذ سنوات، كنتيجة تراكمية لمسار طويل من تآكل فكرة امتثال الشارع للنظام، سبق لحظة النزول إلى الشارع بسنوات عديدة.

أولاً: السياق الاقتصادي والسياسي للاحتجاجات

تمثل هذه الاحتجاجات نقطة فارقة في سياق التفاعل بين الداخل الإيراني والبيئة الإقليمية والدولية المحيطة، ليس فقط بسبب توقيتها، بل بسبب الإطار الأمني والسياسي غير المسبوق الذي اندلعت في ظله. وفي هذا السياق، لم تعد الاحتجاجات تُقاس فقط بحجمها أو امتدادها الجغرافي، بل بكيفية إدراك السلطة لها، وبالسرعة التي جرى بها تدويلها سياسياً وإعلامياً، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل رد فعل النظام من حيث سرعة الاعتراف بالاحتجاجات، مقارنة بالموجات الاحتجاجية السابقة.

1- الأزمة الاقتصادية عامل مُفجِّر للاحتجاجات: كان للعامل الاقتصادي حضور كبير في احتجاجات الشارع الإيراني خلال السنوات الماضية، غير أن الاحتجاجات الحالية قد اتسمت بانخراط طبقة التجار ورجال الأعمال فيها، بل وبدأها هؤلاء من خلال تظاهرات متفرقة لهم في المراكز والشوارع التجارية في العاصمة طهران، بحسب ما نشرته وكالة “فارس” الإيرانية، من أن مركز “شهتشار” للتسوق، وشارع “لاله زار” بطهران -الذي يوصف بأنه شانزلزيه إيران- قد شهدا احتجاجات لتجار ورجال أعمال على التقلبات الحادة في سعر الصرف وتأثيرها على أسعار الجملة والتجزئة، على خلفية الانخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية، بعد تجاوز سعر الدولار حاجز 1.4 مليون ريال، أي حوالى 140 ألف تومان، والذي استقال عقب حدوثه محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين[1].

يأتي ذلك الاحتجاج على ارتفاع الأسعار، وصعود معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة – بلغت وفق مركز الإحصاء الإيراني في ديسمبر الماضي 2024، نحو 52% – بالتزامن مع تسليم الرئيس الإيراني، يوم الأحد 28 ديسمبر 2025، مشروع موازنة عام 1405 – التي تبدأ في 21 مارس 2026- إلى البرلمان الإيراني؛ والتي علّق عليها المراقبون بأن نمط إنفاقها لم يتغير، ولم يراعي الظرف الاقتصادي الحرج للبلاد، إذ حافظت بنود الموازنة على الدعم المالى للمؤسسات والهيئات والجامعات ذات الطبيعة الأيديولوجية المحسوبة على النظام، والخاضع أغلبها لإشراف المرشد على خامنئي[2].

وقد أظهرت الاحتجاجات منذ بدايتها سخطاً اجتماعياً مرتبطاً بتوزيع الموارد في البلاد، وهيمنة المؤسسات شبه الحكومية المرتبطة بالحرس الثوري على قطاعات اقتصادية واسعة، وحصول المؤسسات الموالية للمرشد على جزء كبير من موازنة الدولة، فضلاً عن الاعتراض على سياسة الإنفاق الخارجي الذي يستمر فيه النظام، فظهرت شعارات مثل “لا غزة ولا لبنان روحي فداء إيران”، “التاجر يموت ولا يقبل الذل”.

فيما يشير التعبير السريع لفئة البازار عن احتجاجها على سعر صرف العملة الوطنية، إلى وصول الوضع الاقتصادي إلى مرحلة حرجة، مع الزيادات الكبيرة في أسعار الغذاء والدواء والطاقة، وارتفاع معدلات البطالة، وعزوف شرائح كبيرة من المجتمع عن الشراء، بسبب تآكل قيمة المرتبات والمدخرات، ما يفسر انتقال الاحتجاجات السريع إلى داخل الجامعات، التي كانت عادة ما تطالب احتجاجاتها بمستويات حرية أكبر، أو رفض لممارسات قمعية ما، أو حتى مطالب فئوية بتحسين مرتبات المحاضرين الجامعيين، إذ شهدت جامعات: بهشتي، خواجه نصير، شريف، أمير كبير، جامعة العلوم والثقافة، جامعة العلوم والتكنولوجيا في طهران، إلى جانب جامعة التكنولوجيا في أصفهان، احتجاجات طلابية على الغلاء والأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد[3].

2- انسداد الأفق السياسي وازدواجية الخطابأدى تراجع التيار الإصلاحي عن المشهد السياسي، وهندسة الانتخابات من قبل مؤسسات الدولة المعنية إلى ضعف المشاركة السياسية من جانب المواطنين في الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة، ليشير ذلك في مجمله إلى وجود قناعة بأن آليات التغيير من داخل النظام قد باتت معدومة، وأن استخدام الاحتجاج المستمر كوسيلة للتعبير يدل على محاولات مغالبة هذا الانسداد السياسي، من خلال احتجاجات متتالية بلا قيادة، باعتبارها الأداة الوحيدة المتاحة للتعبير عن الرفض للواقع السياسي في البلاد[4].

ورغم أن الرئيس بزشكيان قد أبدى تفهماً في بداية الاحتجاجات، موضحاً في منشور له على موقع “إكس”، أن “معيشة الشعب هي شاغلي اليومي. ولدينا إجراءات أساسية على جدول الأعمال لإصلاح النظام النقدي والمصرفي والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وقد وجَّهتُ وزير الداخلية بالاستماع إلى مطالبهم المشروعة من خلال الحوار مع ممثلي المتظاهرين، حتى تتمكن الحكومة من التصرف بمسئولية وبكل ما أوتيت من قوة لحل المشاكل”، فإن تصريحات مسئولين إيرانيين آخرين قد أعطت إشارات عكسية باستمرار التعامل التقليدي مع الاحتجاجات في إيران، وهو ما حدث بالفعل في أغلب مدن البلاد التي شهدت احتجاجاتها عنفاً من قبل سلطات الأمن تجاه المتظاهرين، وإسقاط ضحايا منهم، فعلى سبيل المثال أكد المدعي العام الإيراني محمد كاظم موحدي آزاد، أنه “سيكون هناك رد قضائي حاسم على المظاهرات حال تحولها إلى أداة لزعزعة الاستقرار، وتدمير أملاك عامة، أو تنفيذ سيناريوهات أُعدت في الخارج”[5].

هذه الازدواجية في التناول تعطي إشارات متضادة للشارع الإيراني، وتفقده الثقة في إمكانية التغيير أو الإصلاح، وتظهر الرئيس الإيراني وكأنه يغرد خارج سرب النظام منفرداً، وأنه غير قادر على توجيه أجهزته الأمنية لتنفيذ تطلعاته في سبيل حل الأزمة.

ويأتي ذلك كاستمرار لحالة عدم ثقة مستمرة في النظام عبرت عنها سابقاً عدة استطلاعات للرأي، التي أشارت إلى تزايد مستويات الاستياء في الشارع الإيراني، حيث أوضحت نتائج مسح أجرته مؤسسة “GAMAAN” في يونيو 2024 على 77,216 مبحوثاً داخل إيران، حول موقف الإيرانيين من النظام السياسي، أن نحو 70٪ من الإيرانيين يعارضون استمرار “الجمهورية الإسلامية” كنظام سياسي، وأن دعم مبادئ الثورة الإسلامية قد تراجع من 18٪ في 2022 إلى 11٪ في 2024، وأن أغلبية كبيرة بنسبة (89٪) ترغب في نظام ديمقراطي، وهو ما يعكس انخفاض مؤشرات الثقة في النظام، وعدم صلاحيته لتحقيق أي تغيير مرجو لدي الشارع[6].

وفي استطلاع آخر للمؤسسة نفسها أجرى في فبراير 2024، حول مواقف الإيرانيين تجاه الانتخابات والسياسة العامة، أوضح المبحوثون عند سؤالهم: أي فعل يعتبر أكثر تأثيراً في التغيير؟، أن 33.3% من المشاركين يرون أن الاحتجاجات الأكثر تأثيراً، في مقابل 13.2% يرون أن المشاركة في الانتخابات أكثر تأثيراً، فيما يرى 2.6% أن كلاهما معاً هو الأكثر فاعلية، بينما يعتقد 33.2% أن لا شيء من هذه الخيارات فعال في التغيير، و17.8% لا يملكون رأياً محدداً[7].

3- تدويل سريع للأزمة: تعد هذه الاحتجاجات أول موجة احتجاجية بعد المواجهات العسكرية الإسرائيلية-الإيرانية، وهو ما يتوازى مع الضغوط الخارجية والداخلية والمستويات المرتفعة من انعدام الثقة الأمنية التي ربما لم يختبرها النظام من قبل، بسبب ما تعرض له من اختراقات أمنية واستخباراتية من جانب إسرائيل أدت إلى تكبده خسائر كبيرة في صفوف قادته العسكريين، وعلمائه النوويين خلال هذه الهجمات.

فيما تأتي هذه الاحتجاجات في وقت تتعالى فيه الدعوات بالخارج لتشجيع الشارع الإيراني على الخروج على النظام، تلك الدعوات التي يوظفها دائماً النظام لصالح فكرة استهدافه من الخارج، إذ سرعان ما أكدت وسائل الإعلام الحكومية أن هذه الاحتجاجات تهدف إلى تمهيد الطريق لهجوم إسرائيلي جديد، وأنها امتداد للتهديد الخارجي، الذي اختبرته منتصف العام الماضي 2025 بشكل مباشر.

وبالفعل، فقد أعطى المسئولون السياسيون في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل سريعاً الفرصة كاملة للنظام الإيراني لاستخدام وترديد السردية نفسها، حينما أشار الرئيس ترامب، منذ اليوم الأول للاحتجاجات خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى أن “النظام الإيراني يملك سجلاً في الاستخدام السريع للعنف في مواجهة الاحتجاجات الشعبية”، قبل أن يصرح في تدوينته على منصة “تروث سوشيال” بشكل مباشر بأن “الولايات المتحدة ستتدخل حال قام النظام بمهاجمة المتظاهرين السلميين لحمايتهم”، بينما في الاحتجاجات السابقة، كان الغرب غالباً ما يتبع نهجاً أكثر حذراً تجاه الأوضاع الداخلية في إيران حتى يتبين مدى اتساع الاحتجاجات واستمراريتها وأهمية مطالبها، ومن ثم إعلان موقف بشأنها، أو الامتناع عن ذلك.

بدورهم، اهتم المسئولون الإيرانيون بالرد الفوري على تدوينة الرئيس الأمريكي، حيث حذّر على شمخاني مستشار المرشد الأعلى على خامنئي، من أن “أي يد تدخلية تقترب من أمن إيران سيتم قطعها”، مضيفاً: “شعب إيران يعرف جيداً تجربة الإنقاذ الأمريكي من العراق وأفغانستان وحتى غزة”. بينما اعتبر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على لاريجاني، موقف الرئيس ترامب من الاحتجاجات في إيران بمثابة تدخل أمريكي مباشر في هذه الاحتجاجات، قائلاً من خلال تدوينه له على منصة “إكس”: “نميز بين موقف التجار المحتجين وأعمال العناصر المخربة، وعلى ترامب أن يدرك أن تدخل الولايات المتحدة في هذا الشأن الداخلي سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، بأكملها وتدمير مصالح أمريكا”، مضيفاً: “على شعب الولايات المتحدة أن يعرف أن ترامب بدأ المغامرة، ويجب أن يعتني بجنوده”[8].

ثانياً: الاحتجاجات كنمط لتحول علاقة المجتمع بالسلطة

كما سبق الإشارة، لم يعد فهم احتجاج الشارع الإيراني المستمر منذ سنوات مقتصراً على أسباب اندلاعها، بل في السياق الذي بدأت فيه، والتغيرات التي يشهدها المجتمع. إذ يشهد المجتمع تحولات ديموجرافية وثقافية عدة يمكن من خلالها فهم استمرار الاحتجاجات وتواليها كوسيلة وحيدة للتعبير عن الرفض، في ظل واقع سياسي تغيب فيه فاعليه المعارضة، والأحزاب السياسية، وحرية وسائل الإعلام على اختلافها. ومن أهم هذه التطورات ما يلي:

1- تخلي البازار عن دوره التقليدي: مثّل البازار أحد الأعمدة التاريخية للاستقرار في إيران، ليس فقط بوصفه فاعلاً اقتصادياً، بل كشبكة اجتماعية وسياسية لعبت دوراً محورياً في دعم الثورة الإسلامية، وإعادة إنتاج التوازن بين الدولة والمجتمع. كما ارتبط البازار تقليدياً بتحالف ضمني مع المؤسسة الدينية.

فيما تشير التجارب التاريخية إلى أن مشاركة البازار غالباً ما كانت تسبق تحولات سياسية كبرى. ففي الثورة الدستورية، ساهم البازار في تمويل وتنظيم الحركة، ما مكنها من الصمود. وفي عام 1979، لعب دوراً مهماً في دعم الإضرابات العامة، ما عجّل بنجاح الثورة الإسلامية. ورغم أن هذه المشاركات تظهر أن البازار لا يصنع التغيير بمفرده، فإنه يشكل محدداً مهماً في هذا التغيير، كما تشير عادة هذه المشاركة إلى وصول الأزمة إلى مرحلة يصعب احتواؤها بوسائل تقليدية دون حلول حقيقية.

ويحمل انخراط البازار في الاحتجاجات الراهنة سواء عبر الإضراب أو إغلاق الأنشطة التجارية دلالات نوعية لا تشير فقط إلى تخلي البازار عن دوره التقليدي السابق، بل تشير أيضاً إلى انتقال الأزمات التي يعاني منها الشارع الإيراني من المجال الاجتماعي الهامشي إلى قلب البنية الاقتصادية – الاجتماعية التي طالما شكلت قاعدة دعم للنظام. ويفهم هذا التحول في ضوء الضغوط الاقتصادية المتراكمة، وتآكل القدرة على التكيف مع العقوبات، وتراجع ثقة التجار في قدرة الدولة على حماية مصالحهم في الحاضر والمستقبل القريب، في ظل تأزم علاقات النظام مع الغرب بشأن الملف النووي، ودخول العقوبات المفروضة عليها منعطفاً أشد خطورة بعودة “آلية الزناد”[9].

وتتمثل تداعيات هذا الانخراط للبازار في العمل الاحتجاجي حالياً، فيما يلي:

أ-التأثير المباشر على الاقتصاد اليومي: يؤدي إغلاق البازار أو تعطيل نشاطه فوراً إلى شلل في حركة السلع والخدمات، ما يجعل آثار الاحتجاج ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين، ويُسرِّع انتقال الاستياء الاجتماعي من فئات محدودة إلى قطاعات أوسع من المجتمع، وهو ما أدركه النظام مبكراً، وحاول الرئيس الإيراني احتوائه من خلال خطابه المتعاطف مع المتظاهرين، وتأكيده على تفهم مطالبهم.

ب- تصدّع التحالف الاجتماعي التقليدي للنظام: قام النظام الإيراني بعد الثورة على تحالف ضمني مع البازار، منح الطرفين خلال هذا التحالف مكاسب متبادلة. فيما يشير انخراط البازار في الاحتجاجات حالياً إلى تآكل هذا التحالف، بما يحمله ذلك من مؤشرات على ضعف القاعدة الاجتماعية التقليدية للنظام.

ج- توحيد الطبقات الاجتماعية: يمنح انخراط البازار الاحتجاج طابعاً من التنظيم وجدية المطالب، وهو ما حدث بالفعل خلال الأيام الأولى من الاحتجاجات التي اتسمت بتظاهر فئة رجال الأعمال والتجار في الشوارع التجارية في العاصمة الإيرانية، قبل أن تشمل مدناً وفئات أخرى من المجتمع، والتي سارعت إلى المشاركة بعد انجذاب شرائح مترددة من الطبقة الوسطى، كما خلق احتجاج البازار جسراً بين الفئات الدنيا والمتوسطة، الأمر الذي يزيد من فرص استمرارية هذه الاحتجاجات أو تكررها.

2 – صعود أجيال جديدة من الشباب: لم تعش الأجيال الشابة الحالية في إيران تجربة الثورة الإسلامية عام 1979، ولا الحرب العراقية-الإيرانية، ولا لحظات التأسيس الرمزي التي يستند إليها النظام في بناء شرعيته السياسية والأخلاقية. وبناءً على ذلك، لا تنظر هذه الأجيال إلى الدولة باعتبارها مشروع رسالة أو كياناً ثورياً يحمل بعداً أيديولوجياً جامعاً، بل تتعامل معها بوصفها جهازاً إدارياً سياسياً تقاس شرعيته بقدرته على توفير الاستقرار الاقتصادي، والأمن الاجتماعي، وجودة الحياة.

ويعني هذا التحول أن السرديات التعبوية التي شكلت أحد أعمدة تماسك الدولة لعقود، باتت أقل قدرة على إنتاج الولاء أو تبرير القيود، خاصة في ظل تدهور المؤشرات المعيشية وتراجع الثقة في فعالية مؤسسات الحكم.

ومع التسليم بأن غياب الذاكرة التأسيسية لدى هذه الأجيال لا يعني بالضرورة تبني موقف عدائي من النظام، لكنه يعكس في الوقت نفسه افتقاد الرابط العاطفي والقيمي الذي سمح للأجيال السابقة بقبول التضحيات والقيود السياسية والاجتماعية باعتبارها جزءاً من مشروع جمعي. ففي ظل هذا الغياب، لم تعد مفاهيم مثل “الصبر الثوري” أو “المقاومة” أو “التهديد الخارجي” قادرة على لعب الدور نفسه في ضبط السلوك الاجتماعي، أو في تفسير الإخفاقات الاقتصادية المتراكمة، وهو ما خلق فجوة إدراكية متزايدة بين خطاب السلطة وتجربة الشباب اليومية.

وقد أفرز هذا التحول ما يمكن تسميته بسياسات نمط الحياة، حيث تحولت قضايا تبدو في ظاهرها شخصية – مثل الحجاب، وأنماط الملبس، والموسيقى، واستخدام الفضاء العام، والعلاقات الاجتماعية، والتفاعل مع المنصات الرقمية – إلى خيارات فردية تحمل دلالات سياسية ضمنية، حتى في غياب خطاب احتجاجي مباشر.

وبهذا المعنى، لم يعد الصراع بين الدولة والمجتمع مقتصراً على المطالب الاقتصادية أو السياسية التقليدية، بل امتد إلى المجال الثقافي اليومي، حيث بات الامتثال لتشريعات النظام الأخلاقية محل احتكاك دائم مع ممارسات الحياة اليومية لجيل يرى في هذه التشريعات تدخلاً مباشراً وقسرياً في الحريات الخاصة، لا تعبيراً عن نظام عام يريد النظام فرضه.

وفي هذا السياق، يواجه النظام الإيراني مجتمعاً شاباً لم يعد يتفاعل مع الخطاب التعبوي التقليدي، بل ينظر إليه بوصفه منفصلاً عن واقعه، وغير قادر على تفسير تطلعاته أو تمثيل هويته المتغيرة. كما لم تعد أدوات الضبط الأخلاقي، سواء عبر القوانين أو الممارسات القمعية، تنتج الامتثال الذي كانت تحققه سابقاً، بل أصبحت في كثير من الأحيان مُحفِّزاً إضافياً للاحتكاك والرفض الصامت أو العلني. وبناءً على ذلك، يمكن فهم الطابع المتكرر للاحتجاجات في إيران، وانتقالها السريع بين القضايا الاقتصادية والثقافية والسياسية، بوصفه انعكاساً لتحول عميق في علاقة جيل كامل بالدولة[10].

3-إخفاق أدوات الضبط الناعمة والخشنة للنظام: اعتمدت الدولة الإيرانية تاريخياً على مزيج من أدوات الضبط الناعمة، مثل الخطاب الديني التعبوي، وشبكة المؤسسات الوسيطة المرتبطة بالدولة والمجتمع، والشرعية الثورية المستندة إلى سرديات التأسيس والمقاومة، إلى جانب آليات الضبط الخشن المتمثلة في الأجهزة الأمنية، وسلطة القضاء، والمنظومة التشريعية. وقد مكّن هذا التداخل بين هذه الأدوات النظام، لفترات طويلة، من إدارة التوترات الاجتماعية واحتواء الاحتجاجات، عبر إنتاج قدر من الامتثال الطوعي أو شبه الطوعي، دون اللجوء الدائم إلى القمع المباشر المبالغ فيه. غير أن المرحلة الراهنة تكشف عن تراجع واضح في فاعلية أدوات الضبط الناعمة، مقابل تصاعد غير مسبوق في الاعتماد على المقاربات الأمنية، وتغوّل المؤسسات الأمنية والقضائية والتشريعية في إدارة المجال العام.

ويعود تآكل فعالية الأدوات الناعمة إلى جملة من العوامل في مقدمتها فقدان الخطاب الديني الثوري قدرته على التعبئة والإقناع لدى قطاعات واسعة من المجتمع، لا سيما الأجيال الشابة -كما سبق الإشارة. كما أسهم تسييس المؤسسات الدينية والوسيطة مثل الجامعات، وربطها بأجهزة النظام ومكتب المرشد الأعلى، في إضعاف مصداقيتها، وتحويلها في نظر الشارع من قنوات تمثيل اجتماعي إلى أدوات ضبط رسمي، ما أفقدها القدرة على لعب دور الوساطة أو التهدئة في لحظات التوتر.

في المقابل، أدى هذا التراجع إلى توسع الاعتماد على أدوات الضبط الخشن، عبر تشديد الإجراءات الأمنية، وتسريع التدخل القضائي، وتكثيف الأطر التشريعية المقيدة للحريات، بما يحول إدارة الاحتجاج من مسألة سياسية اجتماعية إلى قضية أمن قومي.

وعلى الرغم من أن هذا النهج قد يحقق قدراً من الضبط الآني للمشهد، ويحد من اتساع الاحتجاجات في المدى القصير، إلا أنه ينطوي على تداعيات عكسية على المدى المتوسط، إذ يرفع كلفة الإدارة الأمنية، ويعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويكرس منطق المواجهة بدل الاحتواء. كما أن الإفراط في استخدام القمع يعزز منطق “الأمننة” ويجعل أي تعبير اجتماعي، مهما كان محدوداً، عرضة للتأويل بوصفه تهديداً للاستقرار.

كما يعكس هذا التحول، في جوهره، فقدان مؤسسات الدولة قدرتها التقليدية على التوسط بين السلطة والمجتمع، حيث لم تعد الجامعات، أو النقابات المهنية، أو بعض المؤسسات الدينية، قادرة على امتصاص الغضب الاجتماعي أو إعادة إنتاج الامتثال المطلوب من الشارع. بل إن هذه المؤسسات نفسها باتت في كثير من الأحيان ساحة للاحتجاج، بدلاً من أن تكون أداة للحل. ونتيجة لذلك، لم يعد هناك مجال واسع للتنفيس المؤسسي أو التعبير المنظم، ما يدفع المحتجين إلى الخروج المباشر إلى الشارع باعتباره المساحة الوحيدة المتبقية للتعبير عن الرفض.

وعليه، فإن الاحتجاجات في إيران لا يمكن فهمها فقط بوصفها رد فعل مباشراً على القمع أو الضغوط الاقتصادية، بل بوصفها نتاجاً لتراكم طويل من إخفاقات الاحتواء السياسي والاجتماعي، وفشل أدوات الضبط الناعمة في أداء وظيفتها، بما يجعل الشارع ليس سبب الأزمة، بل أحد أعراضها الأكثر وضوحاً، ودلالة على أزمة أعمق في نمط إدارة النظام لعلاقته بالمجتمع[11].

ثالثاً: مستقبل التفاعل بين النظام والمجتمع في ظل تصاعد التهديد الخارجي

دخل مستوى التفاعل بين الدولة الإيرانية والمجتمع مرحلة بالغة الأهمية، تتقاطع فيها أزمتان متزامنتان: أزمة داخلية تتعلق بتآكل أدوات الضبط والشرعية، وأزمة خارجية تتمثل في تصاعد التهديدات الأمنية الإقليمية والدولية، لا سيما بعد المواجهات المباشرة الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، يميل النظام إلى قراءة الاحتجاجات بوصفها جزءاً من بيئة تهديد مركبة، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع محاولات الاختراق الخارجي والحرب النفسية والإعلامية. وتؤدي هذه القراءة إلى تعزيز منطق الأمننة، حيث تدار المطالب الاجتماعية والسياسية من زاوية أمنية بالأساس، وتختزل في بعدها التهديدي بدلاً من التعامل معها كإشارات إنذار اجتماعي.

ورغم أن هذا النهج يمنح الدولة قدرة أكبر على الضبط السريع ومنع الانفلات، إلا أنه يعيد إنتاج حلقة مفرغة من القمع والاحتجاج، ويضعف فرص بناء تفاعل مستقر طويل الأمد مع المجتمع. في المقابل، لا يتعامل المجتمع – أو على الأقل قطاعات مؤثرة منه – مع التهديد الخارجي بوصفه مبرراً لتجميد الخلافات الداخلية، بل على العكس، يرى كثيرون أن تصاعد المخاطر الإقليمية يفترض أن يسهم في تحسين أداء الدولة، وتعزيز كفاءة إدارة الملف الاقتصادي، وتخفيف الضغوط الاجتماعية، بدلاً من زياداتها، ومن هنا تنشأ فجوة بين النظام والمجتمع، فبينما ترى السلطة أن تشديد القبضة الداخلية ضرورة أمنية، يراها المجتمع دليلاً على عجز النظام عن إدارة الأزمات.

وفي هذا السياق، يعتمد مستقبل العلاقة بين النظام والمجتمع، ومن ثم مستقبل استمراره في السلطة على مدى تغيير إدراكه ومن ثم ممارساته في ظل الظروف الراهنة، والتي تتمثل في:

1- تأثير التهديد الخارجي على إعادة ترتيب أولويات النظام: ينعكس إدراك النظام الإيراني لوجود تهديدات خارجية، على ممارساته وسياسته داخلياً، بحيث يتقدم لدى النظام البعد الأمني والعسكري، على حساب الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بدلاً من أن يعمل على تحصين الداخل، ويترتب على ذلك توجيه الموارد، والاهتمام السياسي، وحتى الخطاب العام، نحو سياسة “إدارة المخاطر” بدل “إدارة التنمية”. فتميل مؤسسات الدولة، إلى تبسيط المشكلات الاجتماعية وردها إلى أسباب أمنية أو مؤامرات من الخارج، وهو ما يحد من فرص معالجة الأزمات.

وفي هذا السياق، يصبح المجتمع أقل حضوراً بوصفه شريكاً في الاستقرار، وأكثر حضوراً بوصفه مجالاً يجب ضبط ممارساته ومراقبته، وهو ما يتطلب تغييراً من شأنه تحويل الداخل إلى مجال آمن يمكن الاستناد إليه وقت الأزمات. ففي هذا الإطار، يمكن أن يواجه النظام الإيراني خلال المرحلة المقبلة خطر تداعيات ليس فقط استمرار وتزايد الاحتجاجات، بل تداعيات الميل المتزايد لاختزال أزمات المجتمع والتعبير عنها من قبل الشارع في بعدها الأمني فقط. فكلما جرى التعامل مع التوتر الاجتماعي بوصفه تهديداً خارجياً مُقنَّعاً، تضاءلت فرص تفكيكه اجتماعياً، وازدادت احتمالات تراكمه في أشكال غير متوقعة من الاضطرابات.

2- مدى تحول المجتمع من المطالبة بالإصلاح إلى التكيّف مع الأزمات: في مقابل سياسات النظام الإيراني داخلياً، يجد المجتمع الإيراني نفسه في ظل هذا المناخ أمام خيارين أساسيين: إما الدخول في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع النظام، وهو خيار محفوف بالمخاطر ويتطلب قدرة تنظيمية عالية، أو اتباع سياسة التكيف الاجتماعي، التي تبدو أكثر واقعية وملاءمة للظروف الراهنة. ومع إدراك محدودية فرص الإصلاح السريع وتراجع الثقة في القنوات الرسمية التقليدية، تميل قطاعات واسعة من المجتمع إلى إعادة تنظيم حياتها اليومية بطرق تتجاوز الدولة، عبر محاولة التحايل على القيود التي يفرضها عليها النظام، سواء من خلال الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي، أو عن طريق الاعتماد على الفضاء الرقمي للتواصل والمبادرة، أو تبني أنماط جديدة من التضامن الاجتماعي والأسري.

ورغم أن هذا التكيف قد يبدو سلوكاً سلبياً من منظور السياسة التقليدية، إلا أنه يحمل بعداً استراتيجياً؛ فهو يعكس انسحاباً تدريجياً من العلاقة الولائية مع الدولة، وهو انسحاب يضعف قدرة النظام على التعبئة السياسية والاجتماعية عند الحاجة، ويحد من قوته الرمزية في اللحظات الحرجة. ومع مرور الوقت، قد يجد النظام صعوبة في استدعاء مشاهد التضامن الشعبي التي اعتاد عليه في أزمات سابقة، كما حدث خلال مواجهاته الأخيرة مع إسرائيل، حيث يبدو حالياً الحشد الشعبي أقل التزاماً وأكثر تردداً نحو الاستجابة لخطاب النظام بفعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة على المواطنين[12].

في النهاية، يمكن القول إن النظام الإيراني حالياً مازال قادراً على الصمود وإدارة المجال العام واحتواء التهديدات المباشرة بنهج أمني، إلا أنه في الوقت نفسه يعاني هشاشة متنامية في علاقته بالمجتمع، تتراكم ببطء، وهذا التناقض لا يعني بالضرورة انهياراً وشيكاً للنظام، بقدر ما يشير إلى تحول في طبيعة التحدي الذي يواجهه من تهديدات يمكن احتواؤها أمنياً، إلى اختلالات هيكلية طويلة الأمد تطال قاعدته الشرعية ومن ثم قدرته على الحشد والتعبئة. وبالتالي، فإن مستقبل النظام سيتحدد وفق كيفية إدارته لهذا التوازن بين القوة المؤسسية والانسحاب المجتمعي.