في لبنان قول شائع بأن البلاد تعاني من أزمة اقتصادية.

وهذا القول الذي ساد منذ نصف قرن ترسّخ في ظل الانهيار النقدي والمالي والمصرفي الذي انفجر قبل خمس سنوات، مع أنه قولٌ مغلوط وشعار مضلّل.

فليس في لبنان أزمة اقتصادية، بل هناك أزمة نظام سياسي استفحلت حتى انهار النظام برمته، وبكل مكوناته، بما فيها المكوّن الاقتصادي، فوصل المجتمع اللبناني إلى هاوية الفقر.

كانت المقاربات الاقتصادية التقليدية البالية تنسب العسر الاقتصادي في البلاد إلى ضعف الموارد الأولية، مما يقود إلى ضعف الصناعة واستئثار القطاع الثالث، أي الخدمات، بحوالي ثلثي الناتج المحلي القائم. وقد اعتمدت القوى المعارضة للنظام تاريخيا تركيبة الاقتصاد اللبناني هذه لإدانته وتحميل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية إلى ضعف الزراعة والصناعة وهيمنة قطاع الخدمات.

هذه الأفكار أصبحت من الماضي، ومشكلة النظام اللبناني هي في مكان آخر، سوف نتطرّق إليه. فالإحصائيات الاقتصادية العالمية تبيّن أن تطوّر الاقتصاديات العالمية يرافقه تطوّر كبير في مساهمة الخدمات في الاقتصاد.

آخر الاحصائيات تفيد بأن الناتج المحلي العالمي الذي يبلغ حوالي 105 تريليون دولار حصّة الزراعة فيه تبلغ حوالي 6% وحصّة الصناعة 30%، فيما تستأثر الخدمات بما يقارب 64% من حجم الاقتصاد العالمي. ولا تزيد مساهمة الزراعة بأكثر من 1.1% في الولايات المتحدة الأميركية و7% في الصين (البلد الشيوعي العريق) و1.2% في اليابان وأقلّ من 1% في ألمانيا وبريطانيا و2% في فرنسا وكندا. أما حصّة الصناعة فتصل فقط إلى 20% في الولايات المتحدة، زعيمة العالم الصناعي، و40% في الصين و27% في اليابان البلد الصناعي العريق و28% في ألمانيا و21% في بريطانيا وأقلّ من 20% في فرنسا.

بين هذه البلدان من هي أهمّ البلدان الصناعية، ومع ذلك فحصّة الصناعة في اقتصادياتها محدودة، مما يدحض الاعتقاد السائد بأن ضعف اقتصاد لبنان يعود إلى ضعف صناعته بالمقارنة مع حصّة قطاع الخدمات.

فالخدمات في الولايات المتحدة الأميركية تصل إلى 80% من حجم الاقتصاد. وهي تشكل 71% من اقتصاد اليابان وألمانيا و78% في كل من الاقتصاد البريطاني والفرنسي. حتى الصين البلد الشيوعي العريق، فإن قطاع الخدمات فيها تزيد حصّته عن نصف الحجم الكلي للاقتصاد.

يفهم من كل ذلك أن الاقتصاد اللبناني لا يعاني من خلل بنيوي خارج عن قدرة الدولة. فإن دولة بنيوية متبصّرة، ذات أفق وصاحبة مشروع إصلاحي، يمكنها الاعتماد على إمكانيات البلاد في مجال الخدمات لكي تحقق الازدهار والبحبوحة، معتمدة على النظام التعليمي المتقدم، رغم ما لحق به من أضرار، وكذلك النظام الطبي والاستشفائي وتفوّق اللبنانيين في السياحة على أنواعها.

إن المشكلتين الكبيرتين اللتين تعيقان نهوض الاقتصاد اللبناني هما العجز الفادح في الميزان التجاري والعجز الكبير المتوارث في مالية الدولة. والدولة المتبصّرة يمكنها التصدّي لهاتين المشكلتين ببرنامج اقتصادي حازم يمتد على عدة سنوات.

لكن مشكلة لبنان الحقيقة ليست اقتصادية، بل هي سياسية، والوضع الاقتصادي المأساوي هو نتيجة للأزمة السياسية ولتهافت النظام السياسي قبل تهافت الاقتصاد.

إن أزمة النظام السياسي التي دفعت الاقتصاد للانهيار هي أزمة ذات ثلاثة أبعاد.

البعد الأوّل هو بعدٌ دستوري يحتاج إلى بعد نظر القوى السياسية لكي تتجاوزه. وهذا البعد يتجسّد في طريقة تطبيق اتفاق الطائف حيث يسود لبنان منذ سنة 1992 نظام المحاصصة وتفكك السلطة المركزية لصالح القوى الطائفية في قلب النظام. فليس هناك مرجعية واحدة في الدولة مسؤولة عن القرار وعن تحديد الخيارات، لاسيما في المجال الاقتصادي. فكل قرار يحتاج إلى الإجماع مما أدّى إلى تعطّل الدولة في ظل تضارب الرؤى والمصالح والتوجهات ضمن الفريق الحاكم.

البعد الثاني أخلاقي، حيث أن الطبقة السياسية التي تسلمت السلطة بعد الحرب الأهلية وضعت جانبا القيم الأخلاقية التي تميّز الدولة الحديثة. وكانت، ولا زالت، تحتمي بالسياج الطائفي، حيث كل قاعدة طائفية تحمي زعاماتها بصرف النظر عن انحرافاتها وموبقاتها وانتهاكها لمصالح وحقوق البلد المالية.

البعد الثالث ناتجٌ عن استفحال المحاصصة، وهو السبب الرئيسي لانهيار مؤسّسات الدولة، لا سيما القضاء، مما قضى على البقية الباقية من سيادة واحترام القانون.

في ظلّ النظام القائم لن تحلّ أية مشكلة، فلن ينحسر الفقر أو يتحقق النموّ أو يتمّ إصلاح القطاعات الحيوية كالإدارة العامّة ومالية الدولة والنظام التربوي ونظام الرعاية الاجتماعية والصحّة والتعليم.

أصبح لبنان بفضل النظام وممارساته أشلاء مرمية على قارعة الطريق، وإذا كانت هناك إرادة للإصلاح، فيجب البدء من نقطة الصفر، انطلاقا من نظام دستوري جديد.