فيما يواجه لبنان اخطر ازمة وجودية في تاريخه ، منذ قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920 دولة هجينة : دستورها مدني ، ونظام حكمها طائفي. وطوال هذه المدة ، وارباب النظام الطائفي يحرصون على اعادة انتاج انفسهم او ذويهم ، محاصصة حينا ومناكفات احياناً وقلاقل وتوترات. اليس قمة الاستغراب والتعجب ان يتبارى ارباب النظام الطائفي اليوم في الدعوة الى تغيير النظام واقامة دولة مدنية في لبنان ؟ الا يدرك هؤلاء انهم يطلبون الشيء من نقيضه ، ويريدون من اللبنانيين ان يصفقوا لهم ويصدقوهم ، باعتبار انهم وجدوا اخيراً الحل المناسب لمعضلة لبنان : تغيير النظام الطائفي القائم ، وتحويل لبنان الى دولة مدنية .

المنطق السليم يفترض ان تكون الدولة المدنية الحقيقية نقيض كل ما هو حاصل في لبنان منذ تأسيس الكيان. اي سيادة القانون والمساواة امامه بين المواطنين دون تمييز بين مواطن وآخر ، والتخلص من اولوية الولاء للطائفة والمذهب ، ولزعماء هذه الطوائف والمذاهب على الولاء للوطن. وان يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات امام القانون ، لا ميزة فيه لمواطن على مواطن آخر بسبب انتمائه الديني او المذهبي او الجندري.

ان ما حصل ولا يزال يحصل في لبنان طيلة قرن من الزمن هو النقيض تماماً لما تقوم عليه الدولة المدنية الحقيقية . والادهى من كل ذلك ان نستمع اليوم الى زعماء طائفيين ، ورؤساء احزاب قامت على اسس طائفية ومذهبية ، وخاضت حروباً اهلية بإسم الدفاع عن حقوق طوائفها ومذاهبها، وارتكبت مجازر على الهوية ، واستقوت بقوى خارجية على شركائها في الوطن ، فقضت على الميثاقية ، وعلى العيش المشترك ، فزالت السيادة ، وضاع الاستقلال ، يدعون اليوم الى قيام دولة مدنية هي بالمفهوم العام تؤسس لمواطنية تضمن الحريات وتحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. فالنمط في الحكم الذي مارسه القادة الطائفيون في لبنان هو الذي ورّط اللبنانيين في حروب اهلية الغائية مراراً، واوهم بسلام واستقرار بارد قائم على التكاذب المشترك احياناً اخرى. وانتج منظومة حاكمة فاسدة ومفسدة ومتخاذلة او مشبوهة . وما يواجهه لبنان من انهيارات ومعضلات سببه ان الفساد المحمي من ارباب السلطة بلغ مستوى بات المسؤولون عن النظام الطائفي عاجزين عن السيطرة عليه ، فأدركوا خطورة تفاقم ذلك على مصالحهم ، واستمراريتهم على هذه الحال، فقرروا الهروب الى الامام ، وايهام اللبنانيين بأنهم يعملون لانقاذ لبنان واللبنانيين من معاناة شاملة هم مسببوها.

ولذا ، من حق كل مواطن لبناني ان يوجه لهؤلاء دعاة الدولة المدنية السؤال: “هل تريدون حقيقة اقامة دولة مدنية في لبنان؟”

تذكروا ان الوعي السياسي بلغ اوجه في لبنان في اواخر ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي في موجة تحررية مدنية اجتاحت المدارس والجامعات والمنتديات ووسائل النشر والاعلام ، ووصل التلاقي المدني الى ذروته بين الشباب اللبناني.

وواكبت هذه الموجة التحديثية احزاب تمدينية وعلمانية قادها كمال جنبلاط ورسم لها خطة انقاذية اصلاحية سياسية واقتصادية واجتماعية تحت عنوان “البرنامج المرحلي للاصلاح” الهادف الى اقامة دولة مدنية علمانية حقيقية يرى فيها السبيل الوحيد لتطوير لبنان وتحديثه وضمان سيادته واستمراره. هذا البرنامج ازعج الطبقة الطائفية الحاكمة والقوى الخارجية الداعمة لها، فاغتالت كمال جنبلاط في 16 آذار سنة 1977 ومن يومها اخذت موجة التنوير تتهاوى امام ضربات الطبقة التقليدية الطائفية ورعاتها في المنطقة واوصلت لبنان الى هذا الكمّ من المعاناة الذي يرزح اللبنانيون تحته اليوم.