نعتقد بوجود خمسة عوامل لها اثرها الكبير في تذخير عملية الانصهار الشعبي اللبناني هي:
اولاً: الحزبيات المحلية الضيقة المتوارثة والفرضيات العمياء احياناً والمؤسسة جميعها على فكرة الوجاهة والبروز الاناني في القرية او الحي، يقابلها في المدن تجمّع العائلات في الانتخابات وفرق ارباب النفوذ الزلمي الموزعين في كل الاحياء، وليس اقلهم الذيم يمارسون المقامرة والمغامرة على تنوعها في رضا وغفلة رجال القانون ، وارباب الموبقات الذين يعطلون معظم الاحيان ، فعلى التطور الشعبي وتلاحمه.
ثانياً: الفئات الغريبة التي اسموها الطارئين الذين ينتمون اصلا الى اكثر بلدان وشعوب العالم وقومياتها، والذين حصلوا على الجنسية اللبنانية لاسباب متعددة لا مجال لذكرها هنا ، واضحوا يشكلون مجموعة من الشعوب الاممية لا يقل عددها عن بضع مئات من الالولف. وهي دخيلة على الكينونة اللبنانية ويتطلب انصهارها في البوتقة اللبنانية الشعبية بضعة اجيال.
ثالثاً: الدعوة الناشطة في البلدان العربية وانعكاس ذلك في لبنان للاخوان المسلمين وللتضامن والتحالف الاسلامي التي ترمي الى ايقاظ الرجعية العصبية الطائفية ، ودعوات اخرى للتفريق بين المحمديين انفسهم ، وما بين مختلف مذاهبهم وفرقهم.
رابعاً: العامل الرابع المعطل لفعل الانصهار اللبناني هو النظام غير الديموقراطي وغير المدني السائد في اكثر من نصف مساحة لبنان قياساً – ويدعى نظام الطوارئ، وعملياً يبطنه ويجسده نظام العشائر. فلبنان من هذه الوجهة لا يزال غير موحد سياسياً وادارياً، ويسيطر على نصفه نظام خاص لا يشمل نصفه الثاني، نظام يعيق تطوره واندماجه في الوحدة اللبنانية .
خامساً: التكريس الرسمي القائم في التشريع وفي الدستور والعرف المتعامل به في وظائف الدولة وفي التمثل البرلماني للطائفية السياسية. فكيف يتوحد شعب لبنان وتزول من التناقضات الرئيسية القائمة اذا كان النظام الرسمي للحكم هو الذي يكرس الطائفية السياسية المسؤولة وحدها عن تمزيق الوحدة اللبنانية الاصيلة . وكانت هي المسؤولة ايضاً عن انهيار كيان البلد في واقعه التاريخي النضالي السالف.
(المرجع: محاضرة لكمال جنبلاط عن “مفهوم الشعب في لبنان بتاريخ 14/1/1963 في الندوة اللبنانية ، وردت في الصفحة 33 من كتابه “العقلانية السياسية”)