“تعبّث بالبلاد موجة لا يمكن الا ان ننعتها بأنها موجة تفسخ وانهيار بسبب عدم تمكين تيار الثورة الشعبية من بلوغ بعض اهدافه . هذا التيار الزاخر بنزعات الوحدة الوطنية والاستقلال والسيادة ، وبالشعور العربي والديموقراطية والحرية الشخصية والحقوق المدنية والاجتماعية . فكل انتفاضة شعبية لا تبلغ مداها ولا تحقق على الاقل بعض اهدافها الاساسية ، لابد لها في ان ترتدّ على اعقابها في دفعة كبت وحركة تفسّخ وتدمير داخلي.
هذا منطق الحياة في علم النفس ، وفي علم الاجتماع ، وفي الاقتصاد، وفي السياسة … هذا هو منطق الثورة.
ونحن اليوم في لبنان نعاني هذا التأزم العسير. تركنا الوحدة الوطنية وتمسكنا بأقطاب الطائفية ، فهل يبنى وطن على تغذية الطائفية السياسية والدينية بشكل مباشر او غير مباشر ؟ واذا ظلت الحال على ما هي عليه في تفاقمها الباطني الداخلي، وفي تغذيتها من الداخل ومن الخارج بالمال وبالسلاح وبالدعايات المجرمة ، واذا استمرت الدولة غائبة عن كل ما يجري تقريباً، فلابد ان يتدهور الوضع الى الاسوأ.
المطلوب السرعة كل السرعة والمبادرة في معالجة هذا الوضع من الجذور وفي العمق:
1- طرد روح الطائفية من البلد ، هذه الروح الشريرة التي تولّد في مقابلها شعور التطرف والمغالاة في المواقف
2- تطهير جهاز الادارة من اوضاع وروحية الفساد السائدة، كالرشوة واستغلال النفوذ الاعتباطي والمال المنهوب
3- انتهاج سياسة “الجسر الوطني” الرابط والصاهر لمختلف نشاطات شعب لبنان في ما يتعدى نزعاتهم وطوائفهم واحزابهم الطائفية والسياسية . وهذا الجسر الوطني انما هو تجسيد وتعبير ظاهر لما يتوق اليه كل مخلص لوطنه. فلنسرع في انقاذ لبنان قبل ان يعود الى ما كان عليه دكاناُ لتجار السياسة ووكراً للدسائس الطائفية التي اوصلته الى ما يعانيه اليوم.”
(المرجع: مقال لكمال جنبلاط صدر في جريدة الانباء في 14/09/1959)