اية كانت التأملات التي يستغرق فيها الذهن، واية كانت الواجهات التي يحاول كل مطّلع ان يشرف منها على الحدث الغربي الاخير الخطير جداً في مغزاه، وفي ما يعبّر عنه واقع الحال، فان الحجاب قد سقط فوراً عن بصيرة الرأي العام العالمي، في ما يعود الى ما كان الناس يشعرون به ويأملون على يده من مبادئ الامم المتحدة ومن هيبتها المعنوية ونفوذ فكرة الحق والعدالة وتكريس تقرير مبدأ الحرية وشرعية تقرير المصير، وضمان الهيئة الاممية الكبرى لحدود الدول وكياناتها السياسية وهذا هو اخطر وجه للقضية .

يأتي تمزيق هذا الحجاب من التمويه العالمي الشامل ، بعد التدخل الاميركي في الشؤون الداخلية لبلدان عديدة في العالم . نذكر منها على سبيل المثال لا اكثر: حصار كوبا البحري، احتلال الشاطئ اللبناني سنة 1958، وعدم التمكن من تنفيذ قرار الامم المتحدة قبل ذلك بشأن اعادة اللاجئين الى ديارهم في فلسطين المحتلة ، وكذلك التدخل المباشر لفرض مبدأ التقسيم في كوريا وفييتنام والمانيا بالضغط السياسي العسكري، ويتوّج هذا النهج في منطق التدخل والقوة والضغط بعدم قبول ربع سكان العالم الصينيين ، اي دولة الصين الشعبية في عضوية الامم المتحدة، ودعم العدوان الاسرائيلي الاخير على الاراضي العربية سنة 1967.

وطبعاً كان لابد لمنطق التسلط والقوة ان يجلب في مقابله رداً موازياً ومماثلاً. وهكذا شهدنا فجأة انقشاع الواقع المرير الذي نعيشه وسط الامال والالام: انهيار الامم المتحدة ، وقيام كل دولة بتحقيق اهدافها بشكل مباشر دون المرور بالامم المتحدة او الالتزام بمبادئها.

ماذا سيفعل العالم الثالث ومن بينهم العرب بشكل خاص وسط تحقق والتزام مبدأ القوة ، وماذا يخبئ لنا من وراء ذلك؟

ان العرب – ويا للأسف – لم يدركوا حتى الساعة وسط محنتهم ما ادركه الاسرائيليون ، وما تدركه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وفرنسا ديغول من اننا لا نزال نعيش في حلبة منطق القوة ، وسنظل نعيش في هذه الاجواء والذهنية الى ان تنتظم الامم المتحدة ويزول حق النقض (الفيتو)، وينزع السلاح العالمي وتحل المشاكل القائمة في العالم على اساس العدل لا على اساس القوة ، ويصبح للامم المتحدة قوة دولية تفرض نفسها وتستعين بها الشعوب المعتمدة عليها كالشعب الفلسطيني.

ولكن هذا حلم بعيد التحقق، قد يحصل وقد يفشل ، وفي ظننا ان المرحلة التي نعيشها لن تشهد هذا التطور السلمي الجوهري وانه علينا ، ربما ، ان نواجه حرباً عالمية ثالثة من اجل الوصول الى هذه الغاية .

فمنطق القوة ذاته، قد يفيد الى فترة ، في مجابهة الدول بعضها لبعض، وفي تجميد مبادرتها التهديمية التي تتخذ شكلاً ساحقاً بفضل اختراع الاسلحة النووية والجرثومية ، ولكن منطق القوة في جوهره وصميمه سيقود في النهاية الى المجابهة السلمية المباشرة العلنية ، وخاصة ان الصين الشعبية لا تزال ، بفضل الغباوة الاميركية ، تقبع خارج الامم المتحدة ، وتستعد لفرض وجودها وكرامتها ودورها على العالم .

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء بتاريخ 29/8/1968، ورد في الصفحة 151 تحت عنوان “السرطان الاميركي” في كتابه “فلسطين قضية شعب وتاريخ وطن”)