في العدوان الاسرائيلي على لبنان سنة 2006، بذلت جهود جبارة لبنانية وعربية ودولية لوقف هذا العدوان واعادة الاعمار. وانتجت هذه الجهود اصدار مجلس الامن الدولي القرار 1701 الذي اوقف اطلاق النار ودعا الطرفين الاسرائيلي واللبناني الى مواصلة السعي لتحويله الى هدنة مستدامة. اطراف النزاع آنذاك وافقوا على القرار وتعهدوا باحترامه والعمل بموجبه ، ولكنهم سرعان ما خرجوا عليه ، ولم يحترموه وبقيت النار تحت الرماد بانتظار من يشعلها. وفي السابع من شهر تشرين الاول 2023، ومع شنّ “طوفان الاقصى” من غزة، وجد لبنان نفسه متورطا بحرب جديدة مع العدو الاسرائيلي سمّيت “حرب الاسناد” لغزة على طريق “تحرير القدس”.

ظروف هذه الحرب اختلفت كثيراً عما كانت عليه ظروف لبنان سنة 2006، فترك اللبنانيون لوحدهم في مواجهة اشرس عدوان اسرائيلي : تدمير شامل وابادة جماعية، تشريد وتهجير ولا يزال لا طاقة له على تحملها . مساع ديبلوماسية كثيرة لوقف النار ولا زالت تتعثر حتى اليوم مع التهديد بالاسوأ وامكانية الانغماس في حرب اقليمية اكثر تدميراً وقد تتحول الى حرب اقليمية او حتى عالمية جديدة لتباين المواقف الدولية من الاحداث والنزاعات المسلحة في المنطقة الشرق اوسطية، لتباين المصالح الاقليمية والدولية على السواء من المشاريع التي توضع في الكواليس لاقامة مشرقين متناقضين في منطقة الشرق الاوسط . فمن هم المسؤولون عما يحصل وضحاياه شعوب ممنوع عليها العيش بكرامة وسلام وامان؟

مما لا ريب فيه ان المسؤولين عن نزاعات الشرق الاوسط اطراف اقليميون ينطلقون من اعتبارات دينية وطائفية لغايات سياسية تعصبية واحيانا عنصرية ، لتحقيق تطلعات توسعية وهيمنة فئوية ، لا تحترم الحدود الدولية ولا السلطات الشرعية القائمة في المنطقة.

تقف وراء الاطراف الاقليمية اطراف دولية ذات مصالح متضاربة تتصارع من خلال وكلائها المحليين وتعمل لرسم خرائط جيوسياسية جديدة متناقضة “لشرق اوسط جديد”. كل هذا يحصل على حساب الشعوب العربية والدول العربية المهددة بالانقسام والاقتتال الداخلي والاقليمي ، رغماً عنها، خدمة لهذا الطرف التوسعي او ذاك او هذا المحور الاقليمي او ذاك.

كل هذا يحصل في ظل اوضاع دولية متفلتة، فالعلاقات بين الدول الكبرى الفاعلة متردية، وهذا ينعكس على المنظمات الدولية التي فقدت فعاليتها بتمرد المخالفين لقراراتها وعدم احترامهم لمؤسساتها السياسية والاغاثية والثقافية والصحية والقضائية. كما ان البحث عن نظام دولي جديد اكثر فاعلية وقدرة على مواجهة النزاعات بين الدول، واحلال السلام العادل والشامل الذي يكفل للجميع العيش بكرامة وسلام ، لا يزال متعثر وبعيد المنال، ولا تزال الادارة الاميركية هي المتحكّمة بالشؤون الدولية على اختلافها، رغم فقدان قياداتها للمصداقية والشفافية والنزاهة في مواقفها المنحازة كلياً للتطرف الاقليمي الاكثر خطراً على السلامة الاقليمية والسلام العالمي.

اسرائيل العنصرية والمتمردة على الجميع والمورطة للجميع في نزاعات تخدم الاوهام التلمودية والتوراتية لليمين العنصري المتطرف الذي يحكم اسرائيل اليوم وقد يجرّ المنطقة والعالم الى حرب تدميرية شاملة لا احد يستطيع تصور حجم تداعياتها.

على الصعيد العربي ، الاوضاع تعاني كذلك من الفشل في التصدي لما تتعرض له الشعوب العربية من شرذمة وانقسامات وحروب داخلية وتطاولات اقليمية ودولية على حقوقها وسيادة دولها ووحدة اراضي هذه الدول. المواقف متفاوتة وغير فاعلة ، وجامعة الدول العربية شبه معطلة لتراجع الحس القومي العربي، والتحول الى تطلعات اخرى طائفية ومذهبية وعنصرية ، والامل في تبدّل الاوضاع بعيد المنال.

ففي هكذا احوال وظروف اقليمية ودولية غير مناسبة ماذا ينتظر لبنان واللبنانيين؟

الانقسام الداخلي يهدد الوحدة الوطنية وقد ينذر بفتنة اهلية. التورط الاقليمي قد يدمّر لبنان ويترك اللبنانيين كالايتام لا سند لهم. فهل يستوعب قادة الحكم والسياسة هذه المخاطر ،ويكفّون عن انتظار حلول اقليمية او دولية تنقذ اللبنانيين من معاناتهم، ولبنان الدولة من الانهيار؟ واذا فعلوا ، فما الذي يمنعهم من تحمل المسؤولية الوطنية ، والتخلي عن كل المطالب الشخصية او الفئوية او المحورية ويلتقون للالتفاف حول لبنان الدولة وجيشها كسبيل وحيد للانقاذ؟ لعلهم يفعلون بعد صحوة ضمير وقراءة واعية لمسار الاحداث في المنطقة والعالم!!