في هذه المرحلة الحاسمة بالذات ، لابد ان نكون اكثر صراحة مع انفسنا قبل ان نكون مع غيرنا… ولابد من القاء الضوء الساطع على جميع جوانب التخلف الفكري، حتى نضع ايدينا على نقاط الضعف ، وحتى نصل الى كل عناصر النكسة وبالتالي يمكننا ان نتفحّص اسبابها. وفي تصوري، ان هناك اربع نقاط رئيسية تقود الخطى في هذه المصارحة:

اولاها: ان العرب لابد ان يتخلصوا من الذهنية الميتولوجية – اي السحر والخرافة – وان يتجردوا من الفوران العاطفي المطلق ، وان يبنوا حياتهم ويخططوا سياساتهم على ارض العلم والحقيقة ، بعيدًا عن متاهات الخيال. والشيء الملاحظ اننا لا نزال نعلّق اهمية بالغة على الكلمة وتردادها دون الاهتمام بصدقها مع الواقع او تماشيها مع العلم ، ولكن ليس ذلك شأن العرب في تاريخهم الحديث، فقد ابتعدوا عن تراثهم العربي العلمي الذي يتمثل في مناهج ابن رشد وابن سينا وغيرهما من المفكرين العرب. ولذلك على العرب اليوم ان يتخلصوا من ذهنية الغناء وترديد الكلمات التي تحمل اكثر من معانيها وقدرتها وامكانيات تحقيقها ، بل ان يسكبوا هذه الطاقة في مجال الفعل والارادة.

ثانيهما: ان العرب لابد ان يقتصدوا في الترديد الاجوف للشعارات ، وان يتعمقوا في معانيها وفي قدراتها، وان يحددوا مواقفهم الفكرية منها على هذا الاساس.

ثالثهما:ان العرب لابد ان يعتمدوا على ثرواتهم وعلى قدراتهم وعلى امكانياتهم، وان يحاولوا تجميعها ودفعها في اتجاه واحد لخدمة القضايا العربية لكي نصل الى الدرجة القصوى من القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية ومن التأثير العالمي الفعال .

رابعهما: ان العرب لابد ان يواجهوا انفسهم بالمصارحة المجردة ، وان يتسلحوا بالشجاعة في مواجهة الاخطاء وان لا يضعوا اللوم دائماً على الاخرين دون النظر قبل اي اعتبار الى مسؤوليتهم، حتى انه يخيّل للانسان الذي يرانا من الخارج اننا نحاول في ادانتنا للقوى الخارجة عن نطاق ارادتنا المباشرة ، ان نحمّلها وزر تقصيرنا في الكثير من الاحيان.

(المرجع: تصريح الى مجلة “اخر ساعة المصرية” بتاريخ 8/7/1967 ورد في الصفحة 179 من كتابه “دعوة الى الوطن عبر المؤتمرات واللقاءات والمواقف”)