في خمسينات القرن الماضي، إبان الحرب الباردة ومساعي إقامة الأحلاف العسكرية وتنازع تقاسم النفوذ في العالم ، تعرضت المنطقة العربية لضغوطات كبرى للإنضمام إلى هذا الحلف أو ذاك وحصل انقسام وتباعد بين الدول العربية . استشعر كمال جنبلاط بما تميز به من بصيرة ورؤية مستقبلية مخاطر هذا الانقسام على القضايا العربية ومصير العالم العربي ، فكتب في 4-2-1955 محذراً أو متسائلاً :
“هل للقابضين على مقاليد السلطة في جامعة الدول العربية أن يتحسسوا بالخطر المحدق بالشعوب العربية وفي مؤسسة الجامعة ذاتها؟ وهل لهم أن يعالجوا الأمور بغير هذا المنظر من الأجواء” الشخصية والنزاعات الإقليمية والمصالح الضيقة المتباينة ويختلفون على الشكل ولا يناقشون الجوهر كما يفترض على ضوء المصلحة العامة؟ المشتركة وطنياً وقومياً بالعين المتبصرة بشؤون العالمية كمن لا يرى بعد من أنفه وكأن حاسة الشم معدومة لديه” . (المرجع : كتابه “كيف يجب على العرب أن يعالجوا قضاياهم السياسية والاقتصادية والعسكرية صفحة 46 ).
ومرت الأيام واستمرت الانقسامات والنزاعات والتدخلات الخارجية وتباين الولاءات فتفاقمت المخاطر وتراكم الفشل في معالجة القضايا العربية والهزيمة في القضايا الإقليمية واليوم في شهر أيار 2025 على ضوء ما تشهده المنطقة العربية من أحداث مصيرية ثلاثة أسباب رئيسية تدفعنا لطرح الموضوع من جديد:
1- القمة العربية الرابعة والثلاثون :
هذه القمة عقدت في بغداد بتاريخ 17-05-2025 وطرحت فيها قضايا عربية مشتركة ضاغطة في غياب العديد من القادة العرب وأصدرت بياناً شاملاً واعداً بالأمال للمستقبل وداعياً لإيجاد حلول مناسبة لصالح دول الجامعة وشعوبها مؤكداً العزم على إحياء العمل العربي المشترك وانتهت القمة ومعها مفعول هذا الكلام .
2- زيارة الرئيس الأمريكي ترامب لمنطقة الخليج العربية
في الثاني عشر من شهر أيار 2025 أيضاً استهل الرئيس ترامب زياراته الخارجية بزيارة المملكة العربية السعودية وإمارة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة وعقد مع زعمائها صفقات مالية ناهزت اربع تريليونات من الدولارات ستساعد في إخراج الاقتصاد الأمريكي من أزماته ، وتكفل الازدهار للولايات المتحدة وكال للزعماء الذين اجتمع بهم آيات الإشادة والمديح مبشراً بأن لمنطقة الخليج العربي دور بارز جداً في عالم اليوم المتغير، وبأنه سيحقق السلام للمنطقة وكدليل على صدقيته تجاه العرب أعلن السلام للمنطقة وكدليل على صدقيته تجاه العرب أعلن رفع العقوبات عن سوريا الجديدة بناء لرغبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ، كما وعد بحل وشيك لمعاناة الشعب الفلسطيني في غزة . انتهت الزيارة ومفاعلها واستمرت غزة تواجه حرب الإبادة والتجويع والتهجير وشعبها ومعه كافة الشعوب العربية في انتظار فرج لم يتحقق.
3- حروب إسرائيل العدوانية التدميرية والإبادية
انطلاقاً من القاعدة الأساسية للعلاقات بين إسرائيل والإدارة الأمريكية القائمة على مبدأ الولايات المتحدة مع إسرائيل ظالمة أم مظلومة تحميها وتمولها وتسلحها وتدعم مطالبها وعنصريتها وتحاسب كل من يعارضها وتعاقبه ، فزادت من عدوانها على لبنان وسوريا واليمن وشنت حربها الإجرامية في غزة والضفة الغربية ضاربة عرض الحائط بكل المطالبات لها بوقف حرب الإبادة والعدوان . إن واقع الحال بين الدول العربية لا يزال هو التنافس بدلاً من التكامل والنزاعات بدلاً من التلاقي والتفاهم والتناغم وكثرة الكلام وأطلاق الوعود بدل من الانكباب على مواجهة المشكلات والبحث الجدي عن حلول مناسبة لها . الشعوب العربية تعاني الكثير من المصاعب الحياتية وفقدان الأمل بالمستقبل فلسطين، لبنان، سوريا، العراق، اليمن، السودان، الصومال، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا جميعها تعاني وتنتظر الإنقاذ من مؤسسات عربية عاجزة ومراجع دولية متنازعة في عالم متغير . هذا العالم الذي نعيشه اليوم تغيرت فيه كثيراً القواعد التي توافق عليها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية ، وهذا يشمل القواعد القانونية والأخلاقية والأعراف الدولية وحل محلها بروز الصراع على النفوذ بين الكبار وأبرزه ما يحصل بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين خاصة يضاف إلى ذلك تصاعد دور السلطة السياسية من منطلقات شعبوية وعنصرية متطرفة . في الحرب الباردة كان من السهل انتصار الديمقراطية الراسمالية على الاتحاد السوفياتي لخلل في هيكليته النظامية ، أما اليوم فمن الصعوبة بمكان الانتصار على الصين التي تمارس الرأسمالية في ثياب اشتراكية. ما هو حاصل اليوم أن كل طرف دولي عاد إلى سياسة بناء قلعة نفوذ له في مجاله الأقرب أولا ثم في سائر العالم لاحقا ، أليس هذا ما تفعله الإدارة الترمبية الطامعة ببسط سيطرتها على كندا والمكسيك وباناما وغرينلاند وصولا إلى غزة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط ومنازلة الصين في مجال المحيطين الهندي والهادئ أليس هذا ما تفعله إدارة بوتين الروسية في شن حروب استعادة ما كان لها من نفوذ في شرق أوروبا والشرق الأوسط . الاتحاد الأوروبي استفاق أخيرا على ضرورة بناء قلعته الأوروبية وتدعيم قوتها ودورها الأقليمي والدولي. وماذا عن التطرف العنصري الصهيوني الذي يسعى لبناء قلعة حصين له في شرق أوسط جديد تديره إسرائيل وترعاه وتحميه الولايات المتحدة . ولا يمكن إسقاط محاولة كل من إيران وتركيا بناء قلعة لهما في شرق أوسط مذهبي سني شيعي متصارع . ومن معالم العالم المتغير اليوم صعود العنصرية في الممارسة الديموقراطية في الغرب وانتشار الأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة وتوسع دائرة الكذب في وسائل التواصل الاجتماعي ودخول الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة كوسائل حديثة في الحروب والنزاعات الناشبة . في هذا العالم المتغير لازال العرب وجامعتهم الحلقة الأضعف رغم الدور المتزايد أهمية دولية لدول الخليج العربي فالأوضاع مأساوية في معظم الدول العربية والعمل العربي المشترك ، يقتصر على البيانات والوعود والمحاولات الخجولة لحل النزاعات العربية الداخلية منها والبينة ومن وحي القمة العربية الأخيرة نوجه للقادة العرب هذه الدعوة من المعلم كامال جنبلاط .
الحل السياسي تفرضه قوة العرب”
“إن الحل السياسي الذي يحكي عنه وهم لأنه ليس هناك الآن شيء اسمه الحل السياسي السلمي. هناك حل عسكري فالمعركة التي نحن بصددها الآن لابد أن تصل في نهايتها إلى حل سياسي بين المنتصر والمنهزم . وفي يقيني أننا لا يمكن أن نصل إلى حل سياسي لا بالديبلوماسية ولا بالهجوم العسكري إذا استمرينا ضعفاء على الصعيد العربي . فعندما تتوافر القدرة العسكرية والتصميم والقيادة والعبقرية في القيادة العسكرية ويشكل العرب جبهة مخلصة ومتضامنة في مواجهة العدو يمكن عندها أن نفرض الحل الذي نريد على إسرائيل التي يخيفها كثيرا وحدة الموقف العربي ومواجهة هكذا هجوم عليها إن ما يقال عن حل سلمي الآن هو مجرد وهم في الواقع.”
(المرجع من مقال نشرته جريدة الأنباء بتاريخ 4-7-1971).