“نحن ندرك فداحة الاوضاع وخطورتها على حاضر اللبنانيين ومستقبل اجيالهم ، وعلى الكيان والوجود كدولة. وما من احد يستطيع انكار ذلك ، والادعاء انه يعلم الى اين تتجه الامور وسط فشل عام ، وعجز كامل عن اتخاذ ما يلزم من تدابير لانقاذ لبنان واللبنانيين من المعاناة والانهيار وربما الزوال .”

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء في 14/3/1959)

على ضوء ما وصلت اليه الاوضاع في البلاد من معاناة شعبية شاملة ومستمرة في التفاقم ، حيث التردي المتواصل يهدد اللبنانيين في حياتهم اليومية ، ويحرمهم من اي بصيص امل بالتحسن والخلاص من الجحيم والعودة الى الحياة الطبيعية . هل يدرك السياسيون وارباب الحكم فداحة ما يرتكبونه من سوء بحق الوطن والمواطنين ؟ هل يعلمون كم يعاني اللبناني من فقدانه القدرة على تأمين مستلزمات عيشه بعد انهيار قيمة الاجور والرواتب اذا وجدت؟ هل يكلفون انفسهم السؤال: كيف للبناني اليوم ان يتدبر كلفة تأمين الخبز والطعام لعائلته وكلفة مياه الشرب والكهرباء والاتصالات والتنقل والتعليم والسكن والطبابة والدواء والاستشفاء وغيرها من متطلبات العيش الكريم؟

هذا على مستوى المواطن اللبناني المتروك وحيداً لمواجهة كل ما اشير اليه وحده دون معين ، او الهجرة والبحث عن فرص عيش افضل ، فماذا عن المؤسسات والسلطات المفترض فيها ان تدير شؤون الدولة والمواطنين ؟

استناداً للدستور وللقوانين النافذة في لبنان النواب الذين يشكلون السلطة التشريعية ، يتحملون المسؤولية الاساسية للقيام بما يلي :

1- انتخاب رئيس للجمهورية قبل شغور المنصب بشهرين لضمان الاستمرارية وحسن ادارة عمل سائر السلطات. وما يحصل من مهازل في جلسات الانتخاب خير دليل على الفشل والعجز وعدم تحمل المسؤولية التي منحهم اياها الناخبون .

2- وبما انه من المعلوم ان شغور سدة الرئاسة يعطّل تأليف حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على ممارسة مهامها التنفيذية لادارة شؤون الدولة والمواطن ، لذلك تستمر المعانة على المستوى الحكومي ، ويتحمل النواب مسؤولية الفشل الحكومي بل يتحمل بعضهم مسؤولية تعطيل حتى تصريف الاعمال على الحكومة القائمة .

3- من مسؤولية المجلس النيابي التشريع وسنّ القوانين اللازمة لتسيير امور الدولة ، وفي الوضع الراهن يتعذّر القيام بهذه المهمة الملحة لانه حتى لو توافق النواب على اقرار بعض القوانين الملحة على صعوبة حصول ذلك كما يحصل في جلسات اللجان النيابية ، فلا قيمة لهذا الاقرار لعدم وجود رئيس جمهورية وحكومة فاعلة لاصدار هذه القوانين وتنفيذها، وخاصة قانون الموازنة ، وخطة الانقاذ المالي والاقتصادي والاجتماعي.

4- مسؤولية مراقبة عمل الحكومة ومحاسبة الوزراء التي يتعذر ممارستها في ظل الاوضاع السائدة.

لكل ما اشرنا اليه اعلاه من مهام ومسؤوليات ملقاة على كاهل النواب ، ايا كانت كتلهم او انتماءاتهم وتطلعاتهم ، نطلق هذا النداء العاجل الى هؤلاء النواب وندعوهم الى الانتصار على الذات ، والاصغاء الى صوت الضمير والعقل ، والانطلاق الصادق لبدء عهد جديد من تصفية القلوب والتسامح والتلاقي للاتفاق على حل سياسي يجب ان يأتي في مقدمة الاهتمامات التي عليهم مواجهتها لان مثل هذا الاتفاق يمهد الطريق الى عودة الاوضاع الطبيعية للبلد، وطمأنة اللبنانيين وانقاذ الوطن . ونقول لهم مع المعلم كمال جنبلاط : “يجب قبل اي شيء اخر ، ان يكون لنا ارض ووطن ، قبل ان نفكربتطبيق اي نظام على هذه الارض وهذا الوطن . فالوطن الذي لا يحميه ابناؤه يباح استقلاله، ويسهل استغلاله ، وتفرقة ابنائه ، وتجزئة اراضيه.”

ونذكّر النواب بقول آخر للمعلم كمال جنبلاط يسهّل عليهم القيام بالمطلوب منهم بالحاح اليوم قبل الغد

“من لا يعرف كيف ينتصر على ميوله ومشاعره وغرائزه وقت الفوز بمنصبه ، لابد ان يخسر مفاعيل هذا الفوز، فالكسب الحقيقي من كل فوز يحققه هو جذب الاخرين الى المبدأ الذي يبشّر به وكسبهم الى النهج الذي يسير في طريقه. وهذا يتطلب العقلانية والرغبة الصادقة في التلاقي والتوافق.”

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء بتاريخ 5/5/1972) ورد في الصفحة 294 من كتابه “العقلانية السياسية”)

وهذه حال بلدنا اليوم:

لبنان اليوم اصبح جمهورية على الورق

السارق فيه يسرق الناس دون قلق

والفاسد فيه يكسب المال دون عرق

والمسؤول اللامسؤول فيه ينام ليله دون ارق

وفي غياب القضاء فيه اصبح القانون حبر على ورق

والمواطنون فيه يعانون ويستنجدون من ينقذهم من الغرق

ويحلمون بسلطة قادرة تلاحق المرتكبين وتزجهم بالسجن بعد الفلق

فهل سنشهد هذا العام بصيص نور في آخر النفق؟