لبنان وسوريا بلدان عربيان متجاوران وشقيقان توأمان بحكم الموقع الجيوسياسي والتركيب السكاني المتنوع الأعراق والمتعدد الأديان والمذاهب . تعرض البلدان عبر تاريخهما المشترك العريق إلى موجات متتالية من الغزو والاحتلال والحروب والاقتتال . فما من إمبراطورية أو دولة قامت في الجوار القريب أو البعيد على السواء إلا واجتاحت جيوشها أراضي البلدين استغلت ثرواتهما وفرضت سلطتها وثقافتها وأحياناً معتقداتها ولغاتها وعاداتها على شعبيهما.
التاريخ حافل منذ حضارتي بلاد الرافدين ووادي النيل و سهوب آسيا إلى الصليبيين والمماليك والعثمانيين وصولا إلى الانتداب. وطوال هذا التاريخ كابد الشعبان من معاناة متواصلة متشابهة تداخلت معها نزاعات وحروب طائفية وعرقية تسببت بمذابح جماعية وتهجير استغلها الطامعون للتدخل بحجة وقف المذابح وفرض النفوذ لدوافع ومصالح متضاربة ومتنازعة ولا تزال.
ومؤخرا شهد البلدان تطورات مفصلية وضعتهما على مفارق طريق أمام خيارات مصيرية. فكيف كانت المعالجة ؟
في الثامن من شهر كانون الأول ٢٠٢٥ وخلال أقل من أسبوع انهار نظام القمع الذي عانت منه سوريا طوال ما يزيد عن نصف قرن من الزمن . انقلابات وتصفيات وانقسامات وتدخلات من كل الجهات ، حولت البلد إلى ساحة من الصراعات وقام نظام جديد واعد بالإصلاح والإنقاذ والتحرر من النفوذ الخارجي الإقليمي والدولي ، بسط سلطته بسرعة وعقد مصالحات وباشر خطوات عملية لإعادة بناء الدولة رغم المخاطر العدوانية الإسرائيلية والإقليمية والعقوبات القاسية الدولية والمقاطعة العربية . هذه الجدية في المعالجة لاقت ترحيبا واسعا في الداخل والخارج على السواء ورافقه احتضان ودعم معنوي ومادي وصل إلى مداه في ٢١ أيار 2025 بإعلان الرئيس الأمريكي ترامب رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا الجديدة تلبية لرغبة ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان. وبعد أقل من أسبوع تلاه إعلان رفع عقوبات مماثلة من الاتحاد الأوروبي وبسرعة تهافتت شركات الاستثمار على سوريا للمشاركة في ورشة إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد مع مواكبة أخوية عربية عامة وخليجية خاصة رعاية وانفتاحا ودعما.
وفي المقابل شهد لبنان في التاسع من شهر كانون الثاني ٢٠٢٥ بعد طول معاناة وانهيارات ونزاعات وتعطيل السلطات والمؤسسات وتدخلات إقليمية ودولية وتسلط فئوي وحزبي على مقدرات الدولة المعطلة وتعرض لعدوان إسرائيلي مدمر ومهجر، شهد ولادة عهد جديد وحكم جديد تعهد برفع المعاناة ووقف التجاوزات والتدخلات الخارجية وردع العدوان وتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وتنفيذ القرار رقم ١٧٠١ كاملا ، والانطلاق في ورشة الإصلاح والإنقاذ لإعادة بناء الدولة بكامل سلطاتها ومؤسساتها وإداراتها. حظي العهد الجديد بالتأييد المفعم بالأمل في الداخل وبالترحيب والانفتاح من الخارج العربي والدولي.
ومع مرور الوقت أثبتت الوقائع أن مواكبة السعي اللبناني للإنقاذ والإصلاح اختلفت مواكبته عما حصل مع السعي السوري فبدلا من المسارعة إلى الدعم الفعلي للسلطة اللبنانية الجديدة بعد الترحيب والانفتاح والتشجيع توالت على لبنان الشروط المطلوب تنفيذها للحصول على الدعم والمساعدات دون الأخذ بالاعتبار قدرة الحكم الجديد في أوضاع لبنان الراهنة على تحقيق المطلوب منه قبل تقديم الدعم اللازم له ماديا وعسكريا وسياسيا وإلزام إسرائيل على وقف عدوانها عليه والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها تنفيذا للقرار 1701 الذي التزمت به الحكومة اللبنانية وضمنته لجنة دولية ترأسها الولايات المتحدة التي اكتفت بأن تواصل الضغط على لبنان لتنفيذ خطوات لاحقة تجمع السلاح وحصره بالسلطات الشرعية وإعادة الإعمار والإصلاح . إنها مفارقة غريبة حقا! لا دعم للبنان قبل تنفيذ المطلوب منه ولا قدرة للبنان على تنفيذ المطلوب منه قبل الحصول على الدعم . وهكذا يبدو أن مأساة لبنان وأزمته المتعثرة الحل أبعدته عن التشابه مع سوريا الجديدة والانجرار إلى التشابه مع مأساة الشعب الفلسطيني المتواصلة دون أن يكون لها مثيل في التاريخ . شعب محروم من التمتع بحقوقه المشروعة يتعرض لعدوان صهيوني متواصل وحروب إبادة وتجويع وتهجير والعالم يضغط عليه للاستجابة للشروط الإسرائيلية المدعومة كليا من الإدارة الأمريكية والمنتقدة كلاميا من سائر الدول خلافا لكل المعايير الدولية والأخلاقية والإنسانية .
كلمة أخيرة للبنانيين مسؤولين وقيادات أحزاب وحركات وتيارات سياسية اجتماعية أو مذهبية :الوطن مهدد وجوديا مأزوم في عنق الزجاجة مفروض عليه الانتظار في العناية الفائقة ولا مخرج له للخروج من هذا المأزق سوى العمل بالمثل القائل: ” ما حك جلدك سوى ضفرك”. فليتولى المواطنون حل عقدهم ويتكلوا على أنفسهم ويتناسوا خلافاتهم ونزاعاتهم ومصالحهم الشخصية والفئوية وارتباطاتهم الخارجية، ويلتفوا حول العهد الجديد لتمكينه من إنجاز ما وعد به من إصلاح وانقاذ وتحرير وإعادة إعمار ونهوض اقتصادي لأن فشل العهد تداعياته قاسية على جميع المواطنين.