“من المؤسف انه ما من حاكم حتى الساعة عرف كيف يحكم لبنان ، وان يقضي نهائياً على الخيانات والمؤامرات بقضائه على الفساد والافساد في الادارة وفي الاعلام ، وفي مجالات السياسة والاحتكار والاستثمار البشع ، اذاً لحمله الناس على رؤوسهم وفي موضع السواد من عيونهم ، وكانوا له اوفياء.”
(المرجع : كتاب كمال جنبلاط “لبنان والجسر الوطني المقطوع ” ص. 239 – 240)
لابد من الاعتراف ان الوضع اللبناني يمر بمرحلة ربما هي الاصعب في تاريخه الحديث. معضلات على كل الاصعدة والمجالات تحتاج الى حلول جذرية غير متوفرة حالياً بسبب التقصير والفشل على مستوى مختلف السلطات ، في معالجة الامور ، واستباق الازمات والتخطيط للمستقبل. ومن المؤسف ان تركيبة النظام السياسي الحاكم لا تعالج هذه الازمات الوجودية الا بذهنية التخلف والتردد والمحاصصة والتهرب الى الامام ، او بتحميل المسؤولية للغير واعتماد وسائل القمع والتهديد بالالغاء لكل من ينتقد الاوضاع ويدعو للتغيير على امل التوصل لاقامة حكم وطني سيادي يرتكز الى العلم الحقيقي والتفهم والاستيعاب والجرأة وسرعة المبادرة في التنفيذ والمتابعة والمحاسبة ، ويتحلى افراده بالتجرد والنزاهة والفضيلة والاخلاق.
“ان قاعدة الحكم السليم في لبنان وصراطه المستقيم ، قال المعلم كمال جنبلاط في 26/11/1966 ، الكفيل ببقائه واستمراره هو ارتكازه الدائم والمباشر الى الحركات والتيارات الشعبية التحررية ، وعدم الالتفات الى الفئات التي تحاول عبثاً تأخير مجرى الزمن والعودة بالتاريخ الى الوراء. نريد نهجاً في الحكم في مستوى الاحداث الداخلية والاقليمية والدولية ، ومجلساً نيابياً قادراً على مواكبة الاحداث وسنّ التشريعات ووضع الحلول المناسبة . ولكن هل يتم لنا ذلك في ظل النظام البرلماني القائم ؟”
يواجه العالم اليوم مخاطر كبرى قد تقوده الى حرب عالمية نووية مدمرة تقضي على كل ما حققه البشر من تقدم وحضارة . وتواجه منطقة الشرق الاوسط خاصة ، مخاطر حروب افنائية عبثية على خلفيات مذهبية طائفية او عنصرية ، او توسعية تسلطية غير آبهة بمصير الشعوب والاوطان والكيانات . وسط كل ذلك يعاني لبنان من كل هذه المخاطر المحدقة ، وهو في حالة من الارباك والانهيار والانقسام وتعدد الولاءات في غياب الجسر الوطني والولاء للوطن وللقيم القومية والانسانية ، ويقف على مفترق طرق الاختيار .
بطبيعة تكوينه الاجتماعي لبنان قائم على التعددية الحضارية والدينية والمذهبية التي فرضت على ابنائه التوافق على العيش المشترك والواحد ، واحترام الاخر الشريك في الوطن ورفض اي سيطرة فئوية على الفئات الاخرى . وكل خروج على هذا المبدأ من جانب اي فئة اكتسبت في ظروف معينة فائض عدد وفائض قوة ، وحاولت السيطرة على حساب الفئات الاخرى ، كان يجرّ البلد الى خضّات اجتماعية والى اقتتال داخلي ، بحيث تأكد استحالة الغاء احد في لبنان مهما اختلت التوازنات في العدد وفي القوة ، والامثلة على ذلك كثيرة .
لبنان هذا ، بموقعه الجغرافي ، وبتركيبه الاجتماعي ، مطلوب منه ان يحدد وضعه ودوره في المنطقة وفي العالم ، في مواجهة المستجدات الاقليمية والدولية ، فما هي الخيارات المتوفرة التي على اللبنانيين اتخاذها وتكفل اعادة بناء دولة الرعاية والحماية والانماء المتوازن المستدام والعدالة والمساواة .
امام لبنان ثلاث خيارات في الوقت الراهن :
1- الخيار الاول: ان ينخرط لبنان في الانحياز الى طرف معين او معسكر معين ويتحمل تبعات هذا الخيار على كيانه ووجوده ومصيره.
2- الخيار الثاني : ان يتحول لبنان الى دولة محايدة على شاكلة سويسرا. وعليه في هذه الحالة ان يعالج اموره لوحده ، والابتعاد التام عن كل ما يحصل في محيطه الاقليمي وفي المحيط الدولي العالمي . وعليه ان يكفل بإمكانياته المحدودة وبموقعه الجغرافي ، وبالاطماع المحيطة به من كل الجهات ، تقبل الاخرين في الخارج ، وقبول المكونات الاجتماعية في الداخل الموافقة على هذا الخيار.
3- الخيار الثالث: المبادرة الى بناء دولة الاستقلال والسيادة والعودة الى انتهاج سياسة التعاون المخلص البنّاء المقترن بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى عامة والدول العربية الشقيقة خاصة. وبالحياد الايجابي والعمل على التوفيق في ما بينها ، اذا حصل خلاف ما لأن هذه يجب ان تكون رسالة لبنان ودوره.
المطلوب من اللبنانيين ، وهم اليوم على عتبة خيارات مصيرية ان يتحلوا بالروح الوطنية ، وان يحسنوا الاختيار لايصال منظومة جديدة للحكم تحسن ادارة الشؤون الداخلية ، وتجيد التعامل مع المستجدات الاقليمية والدولية ، فهل هم فاعلون ؟