كمال جنبلاط يدعو ارباب الحكم والسياسة للتحرك الجدي: “البدار البدار ، والسرعة كل السرعة في معالجة كل الامور من جذورها واعماقها ، والتلاقي والتحاور من اجل:
1- طرد روح الطائفية السياسية من النفوس، هذه الروح الشريرة المسؤولة عن تصاعد التطرف والمغالاة.
2- تطهير اجهزة الادارة من ممارسي الفساد والرشوة ومستغلي النفوذ.
3- انتهاج سياسة “الجسر الوطني” الرابط والصاهر لمختلف نشاطات الشعب اللبناني في ما يتعدى نزاعاتهم وطوائفهم واحزابهم المذهبية والسياسية .
4- الاسراع في انقاذ لبنان من الانهيار قبل فوات الاوان.”
(المرجع من مقال له في جريدة الانباء بتاريخ 4/3/1959)
نحن ندرك اليوم ، كما ادرك المعلم كمال جنبلاط سنة 1959 فداحة الاوضاع الراهنة وخطورتها على حاضر اللبنانيين ومستقبل اجيالهم ، وعلى الكيان والوجود كدولة . وما من احد يستطيع نكران ذلك او معرفة المسار الذي تتجه اليه الامور ، وسط الفشل المتواصل والعجز المتفاقم عن اتخاذ ما يلزم من تدابير لانقاذ اللبنانيين من المعاناة ولبنان من الانهيار والزوال كدولة .
عندما ناشد كمال جنبلاط اللبنانيين سنة 1959 للمبادرة الى التلاقي والتفاهم على الحلول ، استجاب الرئيس فؤاد شهاب للدعوة ، ومعه العديد من ارباب السياسة والاصلاح . وانتج ذلك محاولات صادقة للمباشرة في وضع الاسس الكفيلة في اقامة دولة المؤسسات.
هذه التجربة الرؤيوية التي كان لكمال جنبلاط دور بارز في تحقيقها ، سرعان ما انهارت مع انقضاء العهد الشهابي وعودة الطبقة السياسية الى التموضع الطائفي والتناحر والتنازع على الحصص والمكاسب الفئوية والحزبية التي تفاقمت مع الزمن ، وعرّضت لبنان ولا زالت تعرّضه الى مخاطر الزوال.
فجوهر الازمات التي يعاني منها لبنان اليوم هو ان الدستور على الرف او تحوّل الى وجهات رأي متناقضة، والنظام والانتظام في المؤسسات ومختلف السلطات معطّل بقوة المنتفعين من استمرار الاوضاع الراهنة ، ولو على حساب الوطن والمواطن.
يتحدثون عن فشل النظام وضرورة تعديله او تبديله ، ولكنهم يختلفون في ما يريدون . فالمنطق يستدعي البحث عن نظام بديل اكثر حداثة وملاءمة وقدرة على اعادة بناء دولة الرعاية في لبنان . هذا النظام ترجمته قيام دولة مدنية علمانية تنقذ البلد من مخاطر الذهنية السياسية الطائفية والنفعية وتحقق المساواة والعدالة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات وفرص العمل والتعلم والرعاية الصحية والاجتماعية . هذا الحل ، كما يجب ان يتذكر ارباب السياسة والحكم، كان دعا اليه كمال جنبلاط سنة 1975 في البرنامج المرحلي للاصلاح على مراحل ، ثم تبنّاه اتفاق الطائف سنة 1989، واصبح جزءاً من الدستور اللبناني سنة 1990، ومع ذلك حال ارباب الحكم والسياسة واسياد الوصاية دون تطبيقه ، ولا زالوا الى اليوم في العام 2023، رغم انه الحل الطبيعي الممكن لانقاذ لبنان من الضياع .
واما الحل اللاطبيعي لأزمات لبنان فهو الدعوة للتحجر الطائفي والتقسيم القاتل للوطن من جهة او فرض الدولة الدينية التي تكرّس هيمنة طائفة معينة واحدة على سائر الطوائف بقوة الديموغرافيا، مع ما يواجهه هكذا حل من نزاعات دائمة في دولة تعددية التركيب السكاني والطائفي مثل لبنان ، تستدعي التدخلات الخارجية الاقليمية والدولية ذات المصالح المتناقضة ولا نعرف الى اين ستقود لبنان وتحت اية وصاية ستضعه؟
ومن جديد ، نعود الى المعلم الرؤيوي كمال جنبلاط لنضع بتصرف ارباب السياسة والحكم المبادرة الى عمل انقاذي رسم خريطته سنة 1977 يتطلب منهم :
“المبادرة الى اقامة عهد جديد من التسامح وتصفية القلوب، والاتفاق على ان الحل السياسي يجب ان يأتي في مقدمة الاهتمامات التي على اللبنانيين مواجهتها للخروج من الازمات ، لان مثل هذا الاتفاق يمهد الطريق لاعادة الاوضاع في البلد الى طبيعتها ، وهذا يحدث راحة نفسية ، واطمئناناً عاماً، وازالة التشنج والتنافر والاقتتال. ان هكذا اتفاق يجب ان يُدخل الى نفوسنا جميعاً التواضع وقبول الاخر والتلاقي على قاسم مشترك نستطيع من خلاله ان نعبر هذه المرحلة المتأزمة بسلام وبأقل ضرر ممكن، وعلينا ان لا نجعل قطار القدر يفوتنا، وعندها لا يعود ينفع الندم.”
(المرجع: من مقال له في جريدة الانباء بتاريخ 13/3/1977)
ألم يحن الوقت بعد لأن يتخلّى ارباب السياسة والحكم عن التمترس وراء المكاسب الفئوية الانية وممارسة التعطيل المتبادل، وانتظار قرارات سلطات الوصاية الخارجية ، والمبادرة الى الخروج من لبنان المأزوم والمحروم الى لبنان الدولة الراعية والحامية والقادرة ؟