شهد هذا الشهر احداثاُ بالغة الاهمية، فرغم المساعي العربية والدولية للمساعدة في انقاذ لبنان من الهاوية ، استمرت المماحكات في الداخل ، وتصاعدت وتيرة البيانات وتبادل الاتهامات ، واعتماد سياسة الانتقامات بين اطراف الطبقة الحاكمة ، والتي طالت مؤخراً السلطة القضائية ، وفقدان القضاء لعصمته واستقلاليته لصالح الزبائنية السياسية والحزبية ، بعد انهيار سائر المؤسسات وتحولها الى دكاكين . والنتيجة : اللبنانيون يدفعون الثمن، بطالة وافلاساً وجوعاً ومرضاً، وقد حوّلهم الحكام الى متسولين يشحذون رغيف الخبز، وعلبة الحليب والدواء.
لقد سقطت كل اطروحات اطراف الحكم، واصبح الدستور مجرد وجهة نظر بدل ان يكون المرجع الذي يحدد المسؤوليات والصلاحيات ، وبدلاً من العمل الدستوري الذي هو لخدمة الجميع اصبح العمل يهدف الى تحقيق الغايات الشخصية والفئوية والحزبية والطائفية على حساب الوطن والمواطن مسكين هذا الوطن الذي حكامه يدمرون كل مقوماته ، ويمنعون قيام الدولة الراعية لشعبها والمدافعة عن الكيان والسيادة.
هذا الوضع المأساوي يدفعنا الى التساؤل : اين رجال الدولة القادرين على البناء وسلامة الرؤية الوطنية ، والتصرف على اساس ان الحاكم تسلّم مركزه ليعمل لخدمة الوطن والمواطن ، لا ليضمن بهما خدمة لمصالحه واهوائه ، وتبعيته لهذا المحور او ذاك في المنطقة وفي العالم.
وفي محاولة منا الى تحريك ما تبقى من الضمائر عند المسؤولين، لعلهم يأخذون العبرة ويغيرون ما في نفوسهم وعصبيتهم ، ويتخلون عن مصالحهم المتضاربة ، ويتنازلون عن سلبياتهم ، ويعملون لإنقاذ الوطن مما اوصلوه اليه من انهيار يوصل لبنان واللبنانيين الى الجحيم .
ففي مقال له نشرته جريدة الانباء بتاريخ 14/9/1968، بعنوان : “الزحف المنتصر لشعب لبنان” ، استشعر كمال جنبلاط قرب انفجار الاوضاع في لبنان وتساءل: “كيف يمكن ان يكون لبنان دولة وان تكون لها سياسة ولا توجد لهذه الدولة خطة تستجيب لمطالب الناس ، ويتحكم بها كبار المحتكرين والمتمولين وتجار الدين والطائفية؟ كيف يمكن للبنان ان يكون دولة ، ودستوره طائفي ونظامه طائفي ، ودولته طائفية ، ويتوزع شعبه في معظمه على اساس طائفي مذهبي استجابة لدعوات حكامه الطائفيين ؟
من الممكن مواصلة التساؤل في هذا السياق الى ما لا نهاية ، مروراً بانعدام الخطة والتصميم في حقل الاقتصاد والاجتماع ، الى انعدام الحريات النقابية ، والاوضاع المزرية للفئات الشعبية والعمالية ، الى تأخر القطاع الصناعي والقطاع الزراعي ، الى هدر الطاقات المائية والكهربائية ، الى التخلف في مجالات التعليم والتكنولوجيا ، الى انعدام فرص العمل امام الشباب .
هل سيخرج ارباب الحكم في لبنان من التلهي بقشور القضايا السلبية والروتينية ؟ الا يدرك هؤلاء انه يقوم في الخفاء والعلانية زحف شعب لبناني شاب جديد في كل المناطق اللبنانية ، يطالب بالتغيير وبقيام دولة العدالة والمساواة ، وتكافؤ الفرص؟ لقد يئس هذا الجيل الجديد من السياسيين ومن الحكام وترويجهم للاصلاح الذي لا سبيل الى تحقيقه على يدهم. هذا التيار النامي الجارف الجديد ، سوف يتوجه الى قلعة “باستيل” الحكم والتقاليد البالية والسياسات العقيمة والطائفية البغيضة ليهدمه في يوم من الايام ليبني مكانه وطناً يليق بهذا الشعب.”
هذا ما لمسه كمال جنبلاط سنة 1968. ومنذ ذلك التاريخ الى اليوم استمر المخاض، وطرأت احداث جسام ، وجرفت العصبية الطائفية والمذهبية اللبنانيين الى نزاعات مؤلمة ومدمرة ، استجلبت الاحتلالات والوصايات، وحروب الاخرين على ارض لبنان. ووصل لبنان الى ما نحن عليه اليوم . وما زال التساؤل الذي طرحه كمال جنبلاط ينتظر الجوابات الشافية عنه ، ومازال الحكام على ما كانوا عليه ، بل انحدروا بتصرفاتهم الى الهاوية ، وجرّوا شعب لبنان الى جهنم. حقاً لقد طفح الكيل، والاوضاع الى تفاقم، وما زال الحكّام يتناتشون ويتسترون وراء القناع المذهبي، ويوهمون البسطاء من الناس بأن حقوقهم تتامن من خلال حصول الحاكم على حصته وحصة اتباعه وزبائنيته من قالب جبنة الحكم. العالم في الخارج قلبه على لبنان واللبنانيين ، ويعمل جاهداً لمساعدة لبنان وحكامنا على تعنّتهم وعنادهم : إما يحصل كل منهم على ما يريد، وإما يذهب البلد والكيان والشعب الى الجحيم.
وفي مواجهة هذه الاوضاع المرفوضة بكل المقاييس نتساءل مع كمال جنبلاط : هل حان الوقت لكي يتخلى هذا الشعب عما البسوه من ثياب بالية طائفية وعنصريةوتابعة لهذا الطرف او ذاك في الخارج الذي يحقق مصالحه بواسطتنا على حساب مصالحنا المهدورة، وينطلق الزحف المنتصر لشعب لبنان ، وتقوم دولة العدالة والمساواة وتكافؤ الفؤص، دولة المواطنة الحقّة المدنية العلمانية؟
ومن جديد نقول لهذا الشعب ، ونكرر كلام كمال جنبلاط : “وحدها الدولة المدنية العلمانية تنقذ لبنان وتحفظ الكيان ، وتطلق مسيرة لبنان نحو الحداثة والتقدم”.