اعان الله وطناً شعبه يعاني من الوباء والغلاء حتى الاهتراء ، والمسؤولون عنه يهملون واجباتهم ويستمرون في المناكفات والخلافات على حساب الشعب وعلى حساب الوطن ، في الفساد وحماية الفاسدين تودي بالوطن وبالشعب الى الهلاك.
ان ما يتخبط به لبنان اليوم من تباعد وتشنج بين مكوناته الاجتماهية يهدد الميثاقية والعيش المشترك ومصير الوطن. واذا اردنا لبلدنا ان يعيش ابناؤه بسلام وطنياً واجتماعياً ، على المسؤولين عن ادارة شؤونه في مختلف السلطات ان يتخلوا عن سياسة التسويات والمحاصصات والمناكفات والاستقواء بالخارج القريب او البعيد، والسعي لاقامة توازن بين مكوناته ، بعيداً عن حسابات العدد والقوة الفئوية ، واحترام الدستور اللبناني القائم على فصل السلطات وتكاملها وتعاونها ، لا الهيمنة على بعضها وتعطيلها ، وضرورة احترام دور السلطة التنفيذية والسماح لها القيام بالمهام المطلوبة منها دون عرقلة لتصبح قادرة على وضع وتنفيذ الاصلاح السياسي والاداري والاقتصادي والنقدي والقضائي والتربوي والصحي والاجتماعي ، والانطلاق في مسار مكافحة الفساد المستشري والرشوة ومحاسبة المرتكبين من المسؤولين والموظفين ، وناهبي المال العام.
على ارباب السلطات في هذا البلد ان يلعبوا ادواراً اكثر فاعلية وقدرة على ان تقرّب على الدوام ، بين الاراء المتعارضة بالحوار الجدي المباشر الصادق ، ويوقفوا ، في الوقت ذاته ، الاحاديث والتصاريح الملتوية القصد التي تهدد وحدة اللبنانيين ، عوضاً عن ان تقف من الاحداث ، كما يفعلون اليوم، موقف اللامسؤول او المحايد ، لان ذلك يشجع عملياً على تدهور الاوضاع وتهديد العيش المشترك ومصير الوطن.
ومن الضروري جداً، افهام بعض الاشخاص ذوي الرؤوس الحامية وقادة الاحزاب التي يتجاوز ولاؤها حدود الوطن ، وينفذون اجندات خارجية قد تزيد من تفاقم الاضطراب الطائفي ، بأن يعودوا الى ضمائرهم.
نقول لهؤلاء كفى كفى. ما حصل ويحصل من معاناة باللبنانيين . وحان الوقت لوقفة ضمير تنهي هذه اللعبة الخطرة ، فالاثارة الطائفية او المذهبية التي قد تنفع مثيريها مرحليا او شخصيا لابد لها من ان تؤدي الى كارثة وطنية على امد ليس بعيد .
على هؤلاء ان يدركوا ان الكيان اللبناني هو كيان ذو تركيب معقد متناه في الدقة ، بحيث انه لا يمكن اللجوء الى التطرف المذهبي والطائفي للاستئثار بالغلبة والمكاسب الفئوية دون ان يؤدي الى تعريض الوطن الى التفكك والشعب الى التهلكة وانهيار الهيكل على الجميع .
ان ما يشهده لبنان اليوم ، كان قد حذّر منه المعلم كمال جنبلاط في سبعينات القرن الماضي ولم يأبه له المسؤولون آنذاك ، فدفع لبنان واللبنانسون اثماناً بالغة ولازالوا ، فلعل التذكير بها اليوم يلقى من ارباب السلطة وقادة الاحزاب آذانا صاغية فيعتبرون :
“نقول لأرباب السلطة ان مواجهة الوضع المتأزم في لبنان لا تقوم بالامتناع السلبي عن التدخل لوقف التدهور ، ولا بالاكتفاء بالتصاريح والتهرب من المسؤوليات . ان مثل هذه المواقف والتصريحات لم تعد تعني شيئاً في لبنان ، وبالنسبة للبنانيين . فالناس لا يهمهم ان جاءهم الخلاص من يمين ام يسار، من اسفل او من اعلى ، لان المهم هو ان تتحرك الدولة ويقدم المسؤولون على عمل ايجابي يخرج البلد من الجمود والمعاناة ، ويعطّل مفاعيل المداخلات الخارجية التي تستغل عجز المسؤولين ، وتفاقم الاوضاع السياسية والاجتماعية والمعيشية ، لكي تمعن في التآمر والتدخل واثارة العصبيات الطائفية والمذهبية تحقيقاً لمصالحها على حساب مصالح اللبنانيين . ”
(المرجع: كتابه “اسس بناء الدولة اللبنانية وتنظيم شؤونها” – ص.121)