“لم ار في حياتي ، ولم ير سواي في اي بلد آخر ، حكماً سياسياً كالذي يمارسه لبنان الرسمي بالنسبة لأبنائه ولأقدس القضايا التي يتجمع على اساسها الوطن وتتجسد فيها قيم حياته الاجتماعية ومصادر كفاحه: ونعني بها قضية الدفاع عن هذا البلد.
لبنان ، هذا الحانوت على شواطئ البحر المتوسط، وهذا المقهى الذي ينحصر وجوده ووظيفته في توفير اسباب اللهو والراحة الفكرية والبدنية للعرب والاجانب في نظر السلطة، يريدونه ان يستمر ملجأ يعيش ابناؤه في الخوف الدائم على مصائرهم ، لا يشعر احدهم بأية نفحة من الاعتزاز في الانتساب الى هذه الرقعة الصغيرة من الارض ، ولا يريدونه ان يكون وطناً يفتدى ، ونهضة شعبية مرموقة ترتجى ، وقيماً للكفاح الاجتماعي والانساني الحضاري تطلب وتجسد احلام الشباب وامنيات الرجال وتعلّق الكهول .
ومن المؤسف حقاً ان يعتمد لبنان الرسمي سياسة ونهجاً سيجعل الشباب اللبناني يتحولون عن الولاء للقضية اللبنانية التي اخذت تبدو لهم مجردة عن اية قيمة ، كما يوحي بذلك تصرف المسؤولين في كل مناسبة ، ولا تتمثل فيها اية قيمة انسانية ومعنوية . هؤلاء المسؤولون يتهربون من تحمل مسؤولية مواجهة اي اعتداء على لبنان، ويتوسلون من الدول الكبرى التدخل لاعادة الامور الى نصابها.
لبنان الرسمي هذا الذي تحول الى حائط مبكى وجدار للمذلة والمهانة الدائمة ، ليس هو لبناننا، ليس هو لبنان الابطال ، بل هو لبنان الطائفيين والخانعين المتواكلين الذين تتآكلهم في نفسياتهم المريضة والمنحرفة شتى مركبات النقص والكبت والتخلف.
هذا من جهة ، ومن جهة اخرى ، هذا اللبنان في نظر شعب لبنان لا يؤلف ولا يجسد اية قيمة للنضال المعنوي والاجتماعي الداخلي. فالدولة ، في ظل هذا الحكم ، تعمّها الرشوة ويسيطر عليها الفساد في جميع المستويات بشكل مثير عجيب ، ويقف المسؤولون تجاهه يتفرجون ، ولا يستخدمون سلطاتهم لتنفيذ قانون التطهير في نهاية كل عام . فيما تتحول بيروت والعديد من المناطق الى مراكز للاستهتار المعنوي وللاباحية المتكالبة على المخدرات والانحلال ، ولا تحرك السلطة اي جهد للحد منها.
اما في ما يتعلق بالاهداف الاجتماعية والمعنوية للدولة ، فقد عاد بنا الحكم القائم ، بعد ان حاولنا في العهد الشهابي توجيه الدولة للاهتمام بالتخطيط العام ، والى تنقية المصارف الوطنية لا الى تقويضها ، والعمل على تحقيق بعض المكاسب الاجتماعية والشعبية والحريات النقابية ، لقد عاد بنا الحكم القائم الى ما كان سائداً في العهدين السابقين للشهابية ، الى ممارسة سياسة البورجوازية المالية الاحتكارية ، فأخذت الفضائح في مجال التلزيمات والمشاريع تتم علناً ولا من يحاسب.
تجاه ما يجري اليوم ، اصبحنا نخجل من انفسنا ونشعر بالذل والمهانة ونخجل من مواطنينا ، ومن العربي والاجنبي على السواء ، ويلعن كل منا هذا الحكم الحائر الذي يدير الدولة وكأنها شركة خاصة او مزرعة عائلية .
الى متى سيظل لبنان مكاناً لتطبيق سياسات من الاذلال الشعبي وسوء التدبير وانحراف التوجيه ، وتقلص الارادة ، وغياب التصميم وتعثر الخيار والتخلف المشين عن القيام بأبسط مقومات الواجب الوطني ، لكي يشعر اللبنانيون على الاقل ، ان هذا البلد هو بلدهم، وان هذه الدولة هي دولتهم ولكي يشعر العرب بدورهم وكذلك الاجانب بأننا جزء لا يتجزأ من النضال العربي الكبير .
مسكين لبنان شعباً ودولة الذي لا يستطيع حكامه ان يجعلوه في اي منعطف من التاريخ ، وفي اية قضية صغيرة ام كبيرة في مستوى الكرامة ، في مستوى المسؤولية ، في مستوى الاقدار.”
(المرجع: مقال لكمال نشرته جريدة الانباء بتاريخ 30/11/1968، ورد في الصفحة 148 من كتابه “نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية “)