وسط هذا الجو من الارتباك السياسي، وبعض القلق النفسي المسيطر ، وفي صميم ما نحن عليه وما قد نتوقعه من اعمال تخرج عن جو التربية الوطنية ، وقد تتعلق بسلامة هذا البلد ووحدته واستقلاله، برزت مشكلة التربية والثقافة ، وقد تحسس بها ، وبخطورتها ، وبآثارها، وبما قد ينجم عنها في الحقل التربوي ، وصولاً الى الحقل الوطني العام ، عدد كبير من الاساتذة والمربّين ورجال السياسة ممن عانوا الامرّين بسبب ما تعانيه البلاد من نزاعات متناقضة ، وتيارات متعاكسة ، وانقسامات فكرية لا ترتكز الى واقع التاريخ وحياة ابنائها ، بل ينبع معظمها من هذا التباين والتناقض في اساليب التعليم واهدافه ومناقبيته وكتبه. فالانسان كما يفكر يصبح.

وفي الواقع لم نكن شخصياً نتصوّر الى اي مدى قد يجلب تأثير هذا التنوع ، وهذا التجاذب المنفرد، وهذه التجزئة والانشطار في حقل تربية النشئ وغرس بذور الافكار والتوجيهات في عقله وشعوره الطري القابل لجميع الافتعالات، قبل تسلمنا وزارة التربية ، فأدركنا الحقائق التالية التي لابد من اعلانها:

1- ان وحدة البلاد الوطنية مرتبطة بتوحيد المناهج التعليمية ، وتوحيد الاهداف التربوية في مختلف مراحل التعليم

2- ان وحدة التوجيه الوطني متوقفة الى حد بعيد على توحيد كتب التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية

3- ان وحدة البلاد الوطنية مرتبطة بتعميم التعليم الرسمي وبمراقبة التعليم الخاص مراقبة فعالة .

4- ان ازدهار البلاد الاقتصادي ورقيها الاجتماعي لا يتوفر بالسرعة التي نتطلبها وبالشمول الذي نرمي اليه ، وفق توجيهات السلطة السياسية وتوصيات خبراء الاقتصاد والتصميم الا اذ خلقنا ، بموازاة اعمال الانشاء والاعمار والتصميم والتنظيم ، اطارات من التخصص العلمي والتقني في جميع حقول الثقافة العامة .

(المرجع: من محاضرة لكمال جنبلاط في نادي خريجي المقاصد – بيروت بتاريخ 14/3/1962 – وردت في كتابه “في مراقي الامم” ص. 179)