في لبنان لا تزال الاحداث المقلقة تتواصل ، فعلى المستوى الشعبي الازمات تتفاقم مالياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً وصحياً وامنياً والمسؤولون عن ادارة الدولة وتدبير شؤون الناس عاجزون وفاشلون وغائبون كلياً عن القيام بالمطلوب منهم . منذ اندلاع حركة الاحتجاج الشعبي في 17 تشرين الاول 2019 والمطالبة بمحاسبة المسؤولين الذين اوصلوا البلد الى هذه الاوضاع المزرية ، والامور تتجه نحو الأسوأ، وربما الى الجحيم حسب ما بشرنا به يوماً رئيس الدولة. فراغ حكومي متواصل ، وتخاذل تشريعي ، وقضائي وغليان مالي واقتصادي وصحي وامني. انقسامات ومهاترات وتهديدات يومية وطروحات هروب من المشاكل الى الامام، وزج البلد بأزمات اشد وادهى، واستقواء وارتهان الى الخارج قد يجر ويلات اكبر عندما يصبح لبنان مادة للتجاذب او للتقاسم على الموائد الاقليمية والدولية.
تجاه هذه المعاناة المستمرة، نعود بالذاكرة الى الماضي ونذكر اللبنانيين عامة والطبقة السياسية خاصة ، بما حذّر منه المعلم كمال جنبلاط سنة 1973. ولم يستجب المسؤولون وقتها، فاندفعت البلاد سنة 1975 الى حرب اهلية تدميرية ما زال لبنان يدفع غالياً تداعياتها: فقدان السيادة والاستقلال، الارتهان الى الخارج والاستقواء به على سائر الفرقاء والمكونين لهذا الوطن، والتنافر الطائفي والمذهبي واستغلاله للوصول الى المناصب ونهب المال العام . وهذا ما حذر منه:
“ان تنظيم الدستور وممارسته اصبح ضرورة ملحة لتأمين الديموقراطية السياسية بما تفرضه من تداول للسلطة وحرص دائم على مبدأ فصل السلطات وتعاكسا وتناقضا ضمن سلطة الدولة المعنوية الواحدة ، لكي تتأمن فعلاً وواقعاً الحرية والديموقراطية السياسية: السلطة التنفيذية العليا، سلطة الحكم، سلطة التشريع والمراقبة والمحاسبة ، السلطة القضائية المستقلة ، والسلطة الادارية . ان مثل هذا التنظيم يخرج لبنان بشكل دائم وثابت من الدوران في الازمة المستمرة التي يعاني منها اللبنانيون منذ مطلع الاستقلال ، والتي تسببت بأكثر من ازمة وانتفاضة شعبية .”
(المرجع: بيان سياسي اصدره كمال جنبلاط للشعب اللبناني بتاريخ 7/6/1973)
واما التطورات التي يشهدها العالم اليوم فتنذر بتوقع تفاقم الازمات في العديد من البلدان والمناطق، وربما تؤدي الى نشوب حروب اقليمية قد تتحول الى حرب عالمية ثالثة اكثر تدميراً، والدلائل غير مطمئنة. الاوضاع في الدول الديموقراطية تعاني من انقسامات داخلية متزايدة الخطورة تهدد وحدتها وتدمر اقتصاداتها، وتشرذم مجتمعاتها. وتضعف قدراتها في الدفاع عن الديموقراطية والسلام العالمي. والامثلة كثيرة على حقيقة هذه الاوضاع، سواء في الولايات المتحدة ام في الدول الاوروبية ، حيث القوى المؤمنة بالديموقراطية تتراجع والقوى اليمينية العنصرية تبرز اكثر قدرة على التحرك والتحكم بمسار الامور في الداخل كما على المستوى العالمي. وفي المقابل تبدو الدول الديكتاتورية بمختلف اشكالها الاكثر قدرة على التحرك والتوسع والتدخل في شؤون الدول الاخرى ضاربة عرض الحائط بمصالح الشعوب وحقوقها بتقرير المصير وممارسة السيادة والحرية .
ما يشهده العالم اليوم يعيدنا بالذاكرة الى ما كانت عليه الاوضاع في ثلاثينات القرن الماضي، حيث تخاذل الانظمة الديموقراطية امام صعود النازية والفاشية والشيوعية في مؤتمر ميونيخ سنة 1938 الذي اطلق يد هتلر في التوسع على حساب الدول المجاورة لألمانيا الامر الذي ادى الى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وعلى ضوء ما يحصل في العالم اليوم من تجاذبات شبيهة بتلك المرحلة ، تزداد المخاوف على السلام العالمي وعلى الديموقراطية لصالح الانظمة الديكتاتورية واطماعها التوسعية ، فيما تواصل في الداخل سياسة القمع والافقار لشعوبها.