“شاهدنا اخواننا الفلسطينيين في الاراضي المحتلة يرفضون التخلي عن ممتلكاتهم، وترك بيوتهم تحت ضغط العدوان الاسرائيلي ، ويتشبثون بالارض التي شهدت ولادتهم ، بعد فترة الخشية والانهزام التي استولت على بعضهم ابان حرب النكبة سنة 1948، وافاد منها العدوان الاسرائيلي لطردهم من فلسطين. هذا الشعور ادى الى انطلاق المجابهة الشعبية للعدوان. هذا التصميم هو رد الفعل السليم على العدوان.”
(كمال جنبلاط: من مقال له نشرته “جريدة اليوم” بتاريخ 5/11/1968)
نحن في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط يثير غضبنا اليوم ما آلت اليه الاوضاع في فلسطين ولبنان، ونشعر كأن الدولتين والشعبين اصبحا كالأيتام على مأدبة اللئام، ينازعان ويصارعان ويستجديان العون الذي لا يأتي. ونتذكر جيدا ان المعلم كمال جنبلاط آمن بقدرة الفلسطينيين على النضال في سبيل تحقيق النصر ، وتأمين عودة اللاجئين منهم الى ديارهم. وعمل طوال مرحلة نضاله على دعم القضية الفلسطينية كقضية انسانية وقومية محقة ، وطالب العرب وزعماء العالم وشعوبه الوقوف بصدق مع الحق الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة العلمانية التي تستوعب الفلسطينيين واليهود وتضمن للجميع الحقوق المتساوية في اطار الدولة الواحدة.
وكما نذر كمال جنبلاط نفسه ونضاله لنصرة فلسطين. كذلك عمل جاهدا لاقامة الدولة المدنية العلمانية في لبنان ، وبسبب هذا الاصرار تآمر عليه ارباب استغلال موضوع فلسطين من بعض القادة العرب وارباب الرجعية والطائفية في لبنان ، الى ان اغتالته يد الغدر والخيانة في 16 آذار 1977، فقضى شهيداً للبنان ولفلسطين.
ونحن اليوم، وفاء منا لذكراه ولنضاله ومبادئه ، وعلى ضوء المستجدات الحاصلة على الساحتين الفلسطينية واللبنانية ، نرى انه من الضروري طرح السؤال الصعب والمزعج في آن: لماذا وصلت قضايا البلدين والشعبين الى هذه المعاناة القاتلة ؟
ففي الموضوع الفلسطيني المستمر نازفاً منذ حلول النكبة سنة 1948. ننطلق من الحدث الاهم الذي حصل في قمة النقب التي عقدت في 28 آذار 2022، وشارك فيها وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة واسرائيل ومصر ، والامارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب. واعتبرته اسرائيل انجازاً تأسيسيا، سيصبح منتدى دائم ، حسب ما اعلن وزير الخارجية يائير لابيد وكان الدافع الاميركي لعقده الرغبة في تشكيل تحالف اقليمي – اميركي لردع ايران ومشاريعها النووية والبالستية والتوسعية . وللتمويه اعلن الوزير الاميركي استمرار دعم بلاده لتحقيق السلام بين اسرائيل والفلسطينيين على اساس حل الدولتين.
وفي المقلب الاسرائيلي تجاهل تام لهذا الكلام ، والسعي الحقيقي، بعد اجتماع القمة لبناء علاقات تجارية وامنية واقتصادية مع دول عربية تلتقي معها في التفكير بضروة تشكيل قوة رادعة ضد العدو المشترك ايران ووكلائها في المنطقة الشرق اوسطية. واوكل المجتمعون في النقب للطرف الاردني المواكب عن بعد للاجتماع مهمة تطمين السلطة الفلسطينية بأن المجتمعين سيحترمون الحق الفلسطيني. الا ان رئيس الحكومة الفلسطيني محمد اشتية رفض هذا التطمين واعلن ان لقاءات التطبيع العربي الحاصلة اليوم دون انتهاء الاحتلال الاسرائيلي مجرد وهم وسراب، ومكافأة مجانية للعدوان.
تعليقنا على هذه الاحداث انها دليل ساطع على ان بعض العرب ملّوا الموضوع الفلسطيني ، وتحولوا عنه الى مواجهات وصراعات اخرى يرون فيها خطراً داهماً وجودياً لهم. هنا لابد من التذكير بأن الصراع العربي مع اسرائيل مرّ بثلاث مراحل اساسية : ربع قرن في حروب فاشلة ، وربع قرن في اللاحرب واللاسلام ، وربع قرن في التطبيع لعله يوصل الى السلام المنشود. وطوال هذه المدة بقيت اتفاقية الدفاع العربي المشترك حبراً على ورق. لتبرز النزاعات الداخلية والاقليمية فتدمر العلاقات بين الدول العربية ، وتدخل العديد من هذه الدول في حروب داخلية قاتلة ومدمرة.
وعن السياسة الاميركية المواكبة لهذه الاحداث تبرز حقيقة صارخة ايا كان الحزب الحاكم: كل التأييد لاسرائيل وحمايتها، وتغطية كل ما تقوم به من اعتداءات وتصرفات عنصرية ونكران لأي حق فلسطيني من جهة ، والتضييق على الفلسطينيين، والضغط على المسؤولين العرب للتطبيع مع اسرائيل ، وتجاوز الحقوق الفلسطينية الامر الذي جعل القضية الفلسطينية تبدو اليوم وكأنها تنازع ولا من منقذ. والامر الذي يزيد الحال سوءاً الوضع الفلسطيني الداخلي الذي يعاني من الانقسام والشرذمة والاقتتال بين الفصائل، وهذا بالطبع يشجع الاسرائيليين على التمادي في الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين في ممتلكاتهم واشغالهم والعمل الممنهج للتخلص منهم وتحويل كامل الاراضي الفلسطينية الى دولة عنصرية يهودية ، وما شهدته مدينة القدس من احداث مؤخراً ابرز دليل على هذه النوايا.
هذه الحقائق البالغة الخطورة تدفعنا الى مناشدة الاخوة الفلسطينيين بمختلف فصائلهم وجبهاتهم تجاوز كل ما يفرّقهم ويضعفهم ، والعمل الجاد لاعادة توحيد القرارالفلسطيني المقاوم للتمكن من مواجهة مختلف المشاريع المشبوهة ايا كان مصدرها والمروجون لها. ونتمنى عليهم التمسك باقامة دولتهم الوطنية المستقلة والقدس عاصمة لها ، وبهذا فقط يستعيدون المبادرة ويجبرون الجميع على الاستجابة لمطالبهم المحقة.
واما في الموضوع اللبناني وما آلت اليه الاوضاع من انهيارات وازمات لا مثيل لها، فسنتناول فقط تحول لبنان ساحة حرب محتملة فيما الاخرون في المنطقة تحولوا عن حالة الحرب مع اسرائيل الى امور وشجون أخرى ذات ابعاد اقليمية ودولية متعارضة . فبعد مرور 40 عاماً على الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982. وبعد مرور 22 سنة على التحرر من الاحتلال الاسرائيلي سنة 2000، لا زالت الهشاشة والفشل والانقسامات تتحكم بقراراته المرتبطة بمحاور اقليمية، وبطروحات دولية مشبوهة ، تبقيه رهينة لحروب قد تنشب في اي لحظة. ما زال عليه تحمل اعباء اللجوء الفلسطيني منذ العام 1948. حدوده مع العدو الاسرائيلي لا تزال موضع نزاع في البر والبحر، والاستفزازات الاسرائيلية له شبه يومية والاطماع بثروته النفطية والمائية لازالت تحرمه من القدرة على استثمارها رغم حاجاته الملحة لاستثمارها ، وهي مهددة بالضياع ما يدخل البلد في مرحلة الصراع على الوجود.
بعد حرب سنة 1967 التي اتاحت لاسرائيل احتلال اراضي عربية جديدة ، ردّ عليها العرب بحرب سنة 1973 الناجحة مؤقتاً، استطاع وزير الخارجية الأميركي كيسنجر ان يحولها الى معاهدات انهت النزاع العربي مع اسرائيل في دول الطوق “مصر والاردن وسوريا” ، رغم استمرار احتلال اسرائيل لهضبة الجولان السورية .
وبقي لبنان وحيداً في حالة حرب مع إسرائيل عاجزاً، بسبب هشاشة الحكم ، عن القدرة على مواجهة الاخطار الاسرائيلية باجتياحه من جديد كما فعلت في سنة 2006، واطماعها في ارضه ومياهه وثرواته. وما يشهده لبنان اليوم من سرقة اسرائيل لثروته النفطية البحرية ، وسط ارباك لبناني كبير وعجز عن اتخاذ ما يلزم لحماية هذه الثروة ، اصدق دليل على هشاشة الوضع اللبناني.
في مواجهة هذا الواقع المرفوض نقول لكل من يهمه امر لبنان واللبنانيين في الداخل كما في الخارج ، ان ترسيم الحدود البرية والبحرية مع اسرائيل هو من الخطورة والاهمية بمكان يستدعي اسناده الى هيئة وطنية نزيهة ومستقلة، ويجب ان لا يترك لمنظومة حاكمة فشلت في التعاطي معه منذ عقدين من الزمن ، تتاجر به وتستخدمه لضمان استمرار تحكمها باللبنانيين ومصيرهم الذي اصبح رهينة التجاذبات الاقليمية والدولية .