إن أزمة لبنان الحالية لا يمكن أن تعالج إلا إذا حاولنا إصلاح الأخطاء الماضية والتي أدت إلى وقوعنا في المأزق الذي نحن فيه، ولا مجال لنكرانه. فالمشكلة اللبنانية لا تحل إلا على أساس وطني لا طائفي. فهي أزمة حكم وأزمة سلطة وأزمة قيادات وأزمة مجلس نيابي لا يريد أن يفهم أنه مجلس تشريعي لا ساحة للمهاترات على أنواعها.

( المرجع: من مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الأنباء في 20/1/1962)

 إن لبنان الدولة الذي تأسس سنة 1920 قام على أساس التعددية والتشاور حول مختلف القضايا والتسويات. هكذا أراده المؤسسون وهكذا رسخه بناة الاستقلال 1943 بالتوافق على الميثاق الوطني للعيش المشترك. غير أن هذا الميثاق سرعان ما بدأ يتعرض للاهتزاز والخروج على مضامينه. الأمر الذي تسبب فيه الانقسام بين اللبنانيين وأحياناً الاقتتال كلما حاول فريق منهم التفرد في القرار وفرضه على الآخرين. أحداث 1952، ثورة 1958، ثم الصراع الدامي الأخطر الذي امتد من العام 1952 إلى العام 1990. والذي لم يتوقف إلا بعد العودة إلى التوافق الوطني الذي تحقق في مؤتمر الطائف الذي أعاد الوحدة بموجب اتفاق تحول إلى دستور للبنان يؤسس لإقامة دولة مدنية جامعة وعادلة وحاضنة للجميع على مراحل.

هذه كانت المقرارات المبنية على النوايا الحسنة غير أن نظام الوصاية السورية الذي فرض على لبنان آنذاك عرقل تنفيذ ما اتفق عليه اللبنانيون ومارس سياسة الفرض وأحادية القرار. فترتب على ذلك عودة الانقسام بين موالين منتفعين من ممارسة السلطة ومعارضين رافضين تم عزلهم عن الحياة السياسية والتضييق عليهم وأحيانا اغتيال قياداتهم معنويا أو جسديا. ووصلت الأمور إلى أسوأ مراحلها باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 شباط سنة 2005. فكان الرد على ذلك عودة الروح الوطنية وتفجر ثورة الأرز في 14 آذار 2005 التي أنهت حكم الوصاية السورية في 26 نيسان 2005. وبدل أن تستمر الصحوة الوطنية خرج فريق من اللبنانيين على الاجماع وقرر لغايات خاصة مواصلة التعامل مع النظام السوري على أمل وراثته في احتكار أحادية القرار وفرضه على سائر مكونات الوطن. وجرت عملية خلط أوراق وتفاهمات ثنائية كرست الانقسام مع ما رافق ذلك من أحداث أمنية وعمليات اغتيال لقادة الخصوم للاستكانة والقبول بما يمليه هذا الفريق عليهم. هذا النهج الانقسامي ترتب عليه الخروج على الدستور وميثاق العيش المشترك وتكررت عمليات التمديد والشغور والتعطيل في مختلف مراكز السلطة من رئاسة الجمهورية إلى تعقيدات تشكيل الحكومات وملء الإدارات والمؤسسات على اختلافها بالأزلام. فاستشرى الفساد وتعطل العمل فيها لصالح الرشوة أو خدمة الأنصار ووضعت قوانين مفصلة لخدمة الفريق الحاكم المتحكم بأحادية القرار. ودخل لبنان منذ العام 2019 في أزمة خانقة ماليا واقتصاديا واجتماعيا ومعيشيا وسياسيا استمرت وسط تعطيل نيابي وشلل حكومي وشغور رئاسي حتى مطلع العام 2025. وكأن ما أصاب لبنان لا يكفي أدت سياسة فرض القرار إلى تعريض لبنان إلى عدوان إسرائيلي مدمر غير محسوب النتائج والتداعيات.

 ورغم قيام عهد جديد وحكم جديد واعد بالإصلاح والإنقاذ مازال لبنان يعاني ويواجه العراقيل والمخاطر لاستمرار الانقسام ومحاولات فرض القرار الأحادي على اللبنانيين وعدم الصحوة الوطنية.

 في مواجهة هذه الوقائع المؤلمة وتداعياتها المتفاقمة، نرى ان أفضل نصيحة نقدمها إلى أرباب السياسة والحكم لإخراج لبنان من عنق الزجاجة هي التي كان أعلنها كمال جنبلاط في حديث له نشرته جريدة الأوريون بتاريخ 1/6/1956 وجاء فيها : “إن الاضطراب السياسي والمؤسساتي الذي يتخبط فيه لبنان اليوم ناتج عن النزعة الرامية إلى الخروج على الميثاق الوطني والدستور الذي قام عليه لبنان الاستقلال سنة 1943 وهذه المشكلة لا تحل إلا في جذورها العميقة وفقا لما يلي:

 1. إحلال الثقة والوئام بين ممثلي مختلف الطوائف اللبنانية من خلال عقد اجتماعات لتقريب وجهات النظر فيما بينها بعيدا عن الفرض.

 2. ولكي يعيش البلد بسلام اجتماعيا وسياسيا ووطنيا على أرباب الحكم والسياسة الانتقال دوما من تسوية إلى تسوية وإيجاد حلول توافقية والتصرف بعقلانية وبروح التسامح . فالكيان اللبناني قائم على تركيب فائق الدقة والحساسية ويستوجب دائما معالجة المشاكل الطارئة بروح التعاون والتضامن والتسامح وهذا يعرفه الجميع”.