عن المعلم كمال جنبلاط ننقل مفهومه للديمقراطية الصحيحة: “الديمقراطية نظام عقلاني وإنساني يرتكز إلى احترام حقوق الإنسان وتقدير واجباته وهو انتصار بحد ذاته لمبادئ المساواة والعدالة والأخوة البشرية والكرامة الشخصية وتحقيق عملي لهذه المبادئ .

“هذا النظام العقلاني والإنساني يتحقق عمليا بتوفر دساتير وقوانين وإدارات حكم وعلاقات معينة تربط المواطن بهذه الإدارة وبهذا الحكم لأن الديمقراطية الصحيحة واجب والتزام بالنسبة للحاكم والإدارة كما هو واجب والتزام بالنسبة للمواطن وفي تلاقي ذلك تنمو وتتحقق هذه الديمقراطية.”

( المرجع: من مقال له نشرته جريدة الأنباء في 15/10/1963 ورد في الصفحة 257 من كتابه “من أجل المستقبل”)

هذه هي الديمقراطية الصحيحة من حيث المبادئ. فما الذي نشهده في عالم اليوم؟

 في عالم اليوم، الديمقراطية في محنة كبرى وفي تراجع خطير. ففي العديد من الدول، سواء في عالم الشمال المتقدم والقادر، أم في عالم الجنوب النامي والمتعثر، تبرز تناقضات كبيرة في مفاهيم الديمقراطية. الجميع يبشر بالديمقراطية، ولكن الكثيرين من قادة الدول يمارسون فعلا الديكتاتورية المقنعة تحت ستار ديمقراطية الصوت الواحد. صوت الحاكم بأمره الذي يحتكر حق القرار والأمر والنهي ويمنع على الجميع حرية الرأي والتعبير. وهو بذلك ، لا يأخذ في الاعتبار أياً من المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية الصحيحة. هكذا حكام يتصرفون على أساس أنهم وحدهم يملكون الحقيقة وحرية التصرف. وعلى هذا الأساس، يتجاوزون الدساتير والقوانين ويزوّرون الإرادة الشعبية بانتخابات مفصلة على قياس مصالحهم وبقائهم في السلطة. يقمعون كل رأي أو تصرف مخالف لرؤيتهم وقرارهم، يعتقلونهم، ينكّلون بهم، يرمونهم في السجون والمعتقلات دون محاكمات عادلة لأنهم يسخرون القضاء لخدمة مصالحهم من خلال محاكمات صورية، يطلقون يد أجهزة مخابراتهم في الملاحقة والاعتقال والتعذيب والقتل وأحياناً الاغتيال. المهم بالنسبة لهكذا حكام البقاء في السلطة لأن البلد ملكاً لهم وإلى الأبد. خلافاً لمبدأ تداول السلطة الذي تقوم عليه الديمقراطية. ممارسات هؤلاء الحكام أيًا كانت صفتهم هي النقيض الفعلي والأخطر على الديمقراطية.

ووفقًا للظروف المتاحة لهم، تتخذ هذه الممارسات أشكال مختلفة. قد تكون على شكل ديكتاتورية فردية لحاكم استولى على السلطة بالقوة العسكرية المسخّرة لخدمة نزاعاته وطموحاته ومصالحه الشخصية والزبائنية. وقد تكون ديكتاتورية الحزب الواحد الذي يحتكر لقادة الحزب كل شيء في البلد ويمنع قيام أحزاب أخرى وظهور أي معارضة. يرفض التعددية ولا يحترم إرادة الآخرين. كما قد يمارس هذه الديكتاتورية حاكم متسلط يستثمر لمصالحه طائفة معينة أو مذهب ديني معين أو مكوّن اجتماعي عرقي. ولا يكتفي بالتسلط على سائر مكونات البلد بل يسعى للتمدد خارج حدود دولته للتوسع والتحكم بشعوب دول أخرى بهدف إقامة إمبراطورية متسلطة تشبع نزعاته الشخصية التي تحركها طموحات تستحضر حقبات تاريخية معينة تخدم طموحاته. والأخطر من كل هؤلاء الحاكم الذي يعيش في مخيلته جنون العظمة والاعتقاد أنه الملهم والموحي له من المراجع الإلهية بأنه القادر على عمل أي شيء واتخاذ أي قرار والأمر بتنفيذه. لأنه المخلص الذي يبني عظمة بلاده من خلال عظمته ويعمل لإنقاذ العالم من الحروب إذا سار بمشيئته. وإلا فالويل لكل من يعارضه في الداخل أم في الخارج لا يحترم أي مبادئ ولا أي حدود لسلطانه. إلى هكذا حكام وأمثالهم نقول مع المعلم كمال جنبلاط أن الغاية لكل عمل أو مؤسسة ليس في ذاته غاية بل وسيلة إلى بناء الإنسان. فالدولة تقدس أو تلعن تخصب أو تعقم بقدر ما تخدم هذا الإنسان.

(المرجع: من مقال له نشرته جريدة الأنباء في 5/12/1963). ونسألهم أين أنتم من كل هذا في ممارساتكم؟ وماذا تفعلون لهذا الإنسان بل ماذا سيكتب التاريخ عما فعلتم أو ارتكبتم؟

مسكينة الديمقراطية التي أصبحت علكة يمضغها هكذا حكام بأفواههم ثم يبصقونها ويدوسونها بأقدامهم.!!