دعا المعلّم كمال جنبلاط في 20/01/1962 الى البدء بعهد جديد من تصفية القلوب والتسامح مع الذين يجدر ان نتسامح معهم، ولنمد يدنا بإخلاص الى من حولنا في المحيط العربي ، فلا يمكن ان يتحقق استقرار في لبنان الا اذا كان هذا الاستقرار يشمل القاهرة وبغداد ودمشق وبلاد الجزيرة العربية في آن واحد.”
(المرجع: كتاب “لبنان والجسر الوطني المقطوع” ص. 163)
نحن في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط، ندرك مع سائر اللبنانيين ، فداحة الاوضاع وخطورتها على حاضر اللبنانيين ومستقبلهم ، وعلى مصير الكيان والوطن. فما من احد يستطيع انكار ذلك وما من احد يعلم الى اين تتجه الامور ؟ فلبنان في مهب العواصف العاتية، تتقاذفه الامواج الى المجهول ، وسط عجز وفشل عام في اتخاذ ما يلزم من تدابير كفيلة بإنقاذ ما يمكن انقاذه قبل الوقوع في الإنهيار الشامل.
وفي الوقت ذاته ، يستشعر كل فرد منا، ان هذا الوضع لا يمكنه ان يستمر مع ما يجره من مخاطر وجودية، ومن هذا المنطلق نكرر الدعوة للعودة الى سياسة التهدئة الحقيقية الصادقة ، لا تحاول التذاكي واطفاء النار بالنار ، او دفن النار تحت الرماد الى ان تهب العاصفة من جديد ، فتشعل الجمر الراقد تحت الرماد وتتكرر المآسي فكل ازمة لا تعالج اسبابها الرئيسية، لا تلبث ان تعود، وتتحول الى ازمة اكثر خطورة واستعصاء.
إننا ندرك ان الطريق الى التهدئة اليوم ليست سهلة ، وسط تصاعد المواقف المتطرفة والتعطيل الذي يمارسه ارباب المنظومة السياسية الحاكمة ، ولكنه لابد من التلاقي والحوار المباشر والصريح في العمق لانه وحده يتيح لنا الخروج من المآزق التي نعاني منها جميعنا.
يشجعنا على توجيه هذه الدعوة ما تعلمناه من المعلم الشهيد حول واقع لبنان الحقيقي ودوره ومفاده:
“ان لبنان في واقعه مجهز لكي يلعب دور العقلانية السليمة في منطقة الشرق الاوسط ، المجردة عن شتى تيارات الجهالة والهوس البدائي ، لانه لولا العقلانية لما قام هذا الوطن ونما وتطور. وقد يكون لبنان اليوم في هذا الاتجاه بالرغم من الازمات الطائفية التي قد يسببها ، في اكثر الاحيان ، سوء الادارة وفشل الحكام. فلبنان وجد ليكون بلد العقل والعقلانية في هذه البقعة من الشرق.”
(المرجع: كتابه “لبنان في واقعه ومرتجاه” ص. 70)
واضاف قوله في موضع آخر من الكتاب :
“في اطار واقع المكان الجغرافي ، وواقع الزمان والتاريخ ، كان لبنان ولا يزال ، بالرغم من التناقضات والتعاكسات والتنوعات التي يحتضنها، كان ولا يزال يشكل وحدة للعيش واحدة ، وحدة للحياة المشتركة. وقد يكون في ذلك السر والسبب الذي يجعل التناقضات والمفارقات والنزاعات والازمات كافة تجد في النهاية لها حلا واقعياً ومنسجماً وتسوية معقولة .”
(المرجع ذاته ص. 66)
وعن الحوار المطلوب ، قال كمال جنبلاط: “الاتفاق على الحل السياسي يجب ان يأتي في مقدمة الاهتمامات التي على الدولة مواجهتها ، لان مثل هذا الاتفاق يمهد الطريق الى عودة الاوضاع الطبيعية بما تحدثه من اطمئنان عام في البلد وراحة نفسية . فالمطلوب في هذه المرحلة ، ان يكون لنا لون من الوان التوافق الوطني بين الاحزاب والقوى السياسية ، اياً كانت خلافاتها او حساسيتها وتطلعاتها. ويجب ان يدخل في نفوسنا جميعاً التواضع بأن نتلاقى على قاسم وطني نستطيع من خلاله ان تعبر هذه الازمة بسلام، وبأقل ضرر ممكن ، قبل ان يفوتنا قطار القدر!”
(المرجع: “مقال له في جريدة الانباء بتاريخ 13/11/1977”)
استناداً الى ما سبقت الاشارة اليه ، نتوجه من المسؤولين السياسيين على اختلافهم ، في الحكم ام في المعارضة ، ان يتركوا جانباً امر نجاحهم او فشلهم في الانتخابات القادمة ، وان يترفعوا عن عمليات الطرح والقسمة والضرب والزيادة او النقصان، التي كابدها في السنوات الاخيرة، بسبب المناكفات وضعف السلطة وتعطيلها الامر الذي ادى الى غليان الروح الطائفية وتزايد الانقسامات المذهبية التي تسببت بمعظم المآسي والكوارث وبهذا التشرذم الذي يجعل من المصلحة الوطنية اليوم ضرورة وطنية، وندعوهم الى الاسراع في معالجة كل القضايا في اسبابها ومسبباتها والتلاقي والتحاور من اجل :
1- طرد الروح الطائفية من النفوس ، هذه الروح الشريرة التي تنتج التطرف والانقسام والاقتتال.
2- تطهير اجهزة الدولة من الفساد والرشوة واستغلال النفوذ الاعتباطي والزبائنية.
3- انتهاج سياسة التلاقي والتضامن في مختلف المجالات بعيداً عن النزاعات الحزبية والطوائفية والمذهبية .
4- الاسراع في انقاذ لبنان من الانهيار ، واعادة التواصل مع الاشقاء العرب لحماية المصالح المشتركة ، ووقف التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية لانعكاساتها السلبية على الجميع .
واخيراً، نأمل ان تجري الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة دون تأجيل او إلغاء، وان توصل الى سدة الحكم والسلطة حاكماً يكون قدوة ومثالاً في التجرد والنزاهة، يوحي الثقة ويبعث الامل ، ويشرف على ادارة الحوار الايجابي ويقوده بتجرّد الى تحقيق الانقاذ من المعاناة التي طال امدها وتفاقم ضررها على كافة المواطنين وعلى مصير الوطن.