في الحادي والثلاثين من شهر ايار المنصرم ، وفي خطاب انتخابي له ، فاجأ الرئيس بايدن الجميع بالاعلان عن خطة ثلاثية المراحل تؤدي في حال القبول والالتزام بمندرجاتها، الى وقف دائم لاطلاق النار في غزة وانسحاب القوات الاسرائيلية منها ، واعادة اعمار القطاع المدمر، وضمان عودة السكان الى بيوتهم وتأمين المساعدات اللازمة لهم في كل المجالات ، وأضاف بأن ذلك قد يساعد في حل النزاع القائم بين حزب الله واسرائيل ، ويمهّد لبدء التفاوض حول حلّ الدولتين على الاراضي الفلسطينية ، وتحقيق السلام بين دول منطقة الشرق الاوسط واسرائيل .

لقد سجّل الرئيس بايدن بهذا الطرح عدة مكاسب شخصية في الداخل الاميركي وعلى الصعيد العالمي . فبعد الاحتقان الداخلي والانقسام الشعبي حول مواقف ادارة بايدن من الحرب الدائرة على الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، استطاع بايدن استرضاء المعارضين لسياسته بأنه يعمل لوقف حرب الابادة الاسرائيلية وتأمين المساعدات واعادة الاعمار والعمل لحل عادل للقضية الفلسطينية من جهة ، وطمأنة اللوبي الصهيوني بأنه يعمل لتخفيف الموجة العدائية المتزايدة لاسرائيل في العالم وفي المنظمات الاممية الاغاثية والقضائية ، بتحقيق وقف اطلاق النار في غزة وتحرير الرهائن المحتجزين لدى حماس ، وهذا يشكل نصراً شخصياً له ويكفل فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة في شهر تشرين الثاني المقبل.

كذلك اراد الرئيس بايدن تحسين صورته على الصعيد الجماهيري والرسمي على السواء في العالم ، بعد موجة الانتقادات المتصاعدة لمواقفه المنحازة لاسرائيل في حرب الابادة الجماعية التي تشنّها على الشعب الفلسطيني في غزة خاصة وفي الضفة الغربية عامة ، تسليحاً وتمويلاً وتخطيطاً، وحمايتها من اية قرارات قد تتخذ ضدها في مجلس الامن الدولي، وفي المنظمات القضائية والاغاثية ، والضغط على الدول الغربية لاتخاذ مواقف مشابهة لحماية اسرائيل ، وسجّل نجاحات خاصة على مستوى مجموعة الدول السبع الكبرى وعلى مستوى الدول العربية التي سارعت جميعها للترحيب بخطته والمطالبة بقبولها والعمل لانجاحها.

هكذا كان المشهد الخارجي لخطة الرئيس بايدن، فهل كان الانطباع ذاته لمضمون وخلفيات هذه الخطة؟

ان مراجعة ما نشر من تفاصيل عن الخطة يظهر ان فيها الكثير من المناورة والتشاطر والافخاخ والاهداف الدفينة . وهذه بعض الملاحظات على مضمونها.

– الملاحظة الاولى تتعلق بما اعلنه بايدن عنها انها خطة اسرائيلية ، فلماذا يطرحها هو وليس حكومة اسرائيل ؟ ولماذا جاء الرد الاسرائيلي عليها فوراً بأن اسرائيل تقبل بها لانها صادرة عن صديق كبير لاسرائيل ، ولكنها لن تتقيد بأي وقف لاطلاق النار في حربها على غزة ، قبل تحقيق كامل الاهداف التي حددتها لهذه الحرب: القضاء على حركة حماس عسكرياً وسياسياً وتحرير الرهائن جميعاً الاحياء وجثامين الاموات، وابعاد حماس عن حكم غزة بعد وقف القتال.

– الملاحظة الثانية تتعلق بما طالب به بايدن احد طرفي النزاع اي حماس القبول فوراً بالخطة والالتزام بتنفيذ مندرجاتها بمراحلها الثلاث وتحميلها كامل المسؤولية عن فشل الخطة واستمرار الحرب ، هذا فيما لم يصدر عنه اي كلام مشابه لاسرائيل ، ويثبت انه لا يزال يكيل بمكيالين وينحاز كلياً لاسرائيل واعفائها من اية مسؤولية في حال عدم تقيدها لمندرحات الخطة. والهدف المخفي من وراء هذا الموقف الملتبس هو تبرير عودة اسرائيل الى الحرب في اي وقت ، ولأي حجة او سبب او عذر، والقول انها تمارس حقها الشرعي بالدفاع عن امنها الوطني في مواجهة ارهاب حماس.

ولتغطية هذا التشاطر سارعت مختلف اجهزة الادارة الاميركية لشن حملة واسعة في العالم للترويج للخطة والحرص المسبق على تحميل حماس مسؤولية اي فشل ممكن لها من جهة ، والضغط المباشر على الدول والمنظمات الاممية لتبنّي هذه الخطة كأمر واقع ، والمشاركة في حملة الضغط النفسي التي تديرها وزارة الخارجية الاميركية ضد حماس ومن يؤيدها ، دون اية اشارة نقدية لمواقف المتطرفين في اسرائيل ، وارتكاباتهم العنصرية ضد الشعب الفلسطيني .

– الملاحظة الثالثة تتعلق بما ورد في المرحلة الثانية من الخطة، فهي تشترط المفاوضات بين اسرائيل وحماس بضمانة اميركية ومصرية وقطرية ، بهدف التوصل الى اتفاق لاطلاق جميع الرهائن الاسرائيليين لدى حماس تمهيداً لتحويل وقف اطلاق النار المؤقت الى دائم وانسحاب الجيش الاسرائيلي من غزة ، والسماح للمدنيين بالعودة الى بيوتهم وزيادة المساعدات والبدء بإعادة اعمار غزة. وهنا يكمن الفخ المنصوب لحماس المطالبة بالتقيد التام لما تطالب به اسرائيل ، اي تحرير الرهائن قبل اي امر اخر ، والا يصبح من حق اسرائيل بعد تحرير رهائنها ان تعود الى القتال ومواصلة حرب الابادة بعد ان تكون قد تحررت من الضغوط والانقسامات الداخلية بسبب الرهائن .

– ومن ناحية اخرى يتبين ان خطة بايدن لم تأخذ في الاعتبار المواقف الرافضة للخطة وتمسّك محور المقاومة الاسلامية بقيادة النظام الايراني بمسار المقاومة لتحرير فلسطين ورفض حل الدولتين والتعهد بالنصر الالهي والصلاة في المسجد الاقصى المحرر، مع علم الادارة الاميركية بأن هذا المحور لديه القدرة ميدانياً على افشال اي خطة اميركية لاقامة شرق اوسط جديد اميركي الهوى والقرار مناهض للمشروع الايراني .

وما يهمنا اخيراً، في هذا السياق، معرفة ما ينتظرنا في لبنان بعد وقف اطلاق النار في غزة ، هل ستتفرّغ اسرائيل لشنّ حرب تدمير شامل على لبنان، كما تهدد اسرائيل في كل يوم ، بحجة انها للدفاع عن امن سكان شمالي اسرائيل من المخاطر المتمثلة بالمقاومة الاسلامية التي يقودها حزب الله اللبناني؟ وهل من سعي صادق عملاني على المستويين الاميركي والدولي لردع اسرائيل وحماية لبنان من هذا الخطر الداهم؟

وهنا نسأل: اما كان أجدى ان يضمّن الرئيس بادين خطة وقف اطلاق النار في لبنان على غرار ما اقترحه بشأن غزة؟ الا كان ذلك ساعد على وقف الارتكابات وحماية المدنيين على جانبي الحدود وساهم في تسريع الخطى لتحقيق السلام الشامل في المنطقة ، وانقاذ لبنان مما يتهدده من مخاطر وجودية ؟