المعلم كمال جنبلاط قالها في العام 1968: “نشاهد اخواننا الفلسطينيين في الاراضي المحتلة يرفضون التخلي عن ممتلكاتهم ، وترك بيوتهم تحت ضغط العدوان الاسرائيلي ، ويتشبثون بالارض التي شهدت ولادتهم ، بعد مرحلة الخشية والانهزام التي استولت على الكثيرين ابان حرب النكبة سنة 1948، وافاد منها العدوان الاسرائيلي لطردهم من فلسطين . هذا الشعور الجديد ادى الى انطلاق المجابهة الشعبية للعدوان . هذا التصميم هو رد الفعل السليم على العدوان لإفشاله.”

(المرجع: مقال نشرته جريدة “اليوم” لكمال جنبلاط بتاريخ 5/11/1968)

ان ما تمارسه حكومة نتنياهو المتطرفة في عنصريتها من اعتداءات غير مبررة ضد الشعب الفلسطيني ، يستدعي البحث عن الخلفية الايديولوجية التي ينطلق منها. هذه الايديولوجية عبّر عنها بنيامين نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس” الصادر في العام 1995. فهو يدّعي عدم وجود شيء اسمه فلسطين ، او شعب فلسطيني ، بل يعتبر هذا الشعب رعايا عرب يقيمون على ارض اسرائيل ، وعليهم ، بعد قيام دولة اليهود في اسرائيل ، الرحيل الى بلدانهم العربية . وارض اسرائيل هذه تمتد على كامل الاراضي بين شواطئ البحر المتوسط ومجرى نهر الاردن ، ولليهود فيها حتى حق شرعي تاريخي ديني ، يعطيهم الحق المشروع في الاستئثار بها دون تشريك.

هذه الايديولوجية اتاحت لبنيامين نتنياهو ان يجمع في شخصه كل صفات العنصرية والتطرف لدى من سبقه من رؤساء حكومات اسرائيلية ، ومكّنته من ان يمسك بالسلطة لمدة باتت تزيد على 27 عاماً. ولم يشذّ عن هذا المسار سوى اسحق رابين الذي اعلن امام البيت الابيض في واشنطن سنة 1993، بجرأة : “كفى قتلاً، كفى سفكاً للدماء، فمهما قتلنا من ابناء فلسطين لن نستطيع ان نقضي عليهم جميعاً. فلنمنحهم فرصة العيش بأمان وكرامة وحرية في ارضهم ، والعيش معهم في سلام ، وطوي صفحة ما حلّ بهم في ارضهم وقراهم ومدنهم سنة 1948”. ودفع حياته ثمناً لهذا المنطق على يد المتطرفين العنصريين امثال نتنياهو.

ان ما تقوم به حكومة اسرائيل الحالية من اجراءات واعتداءات ضد الفلسطينيين من قتل واعتقال واستيلاء على الممتلكات وتدمير للبيوت ، وتضييق في سبل العيش، يضاف اليه ما تسنّه من تشريعات حول الهوية العنصرية الدينية لدولة اسرائيل وشرعنة للاستيطان تندرج كلها في سياق التطبيق العملي لايديولوجية نتنياهو ، غير آبهة بما يصدر من اعتراضات وادانات كلامية لا قيمة فعلية لها، بل مجرد كلام مناسبات لرفع العتب. وبالعودة الى ما شهدته الضفة الغربية ، خاصة في جنين مطلع شهر تموز الحالي من تدمير للبنى التحتية في المدينة وتدمير 80% من بنيانها، وتشريد 8000 من ابنائها بعد قتل العشرات وجرح المئات منهم ، لنرصد ردات الفعل على هذه الارتكابات الوحشية ، سواء في الضفة الغربية ام في غزة:

– الامين العام لمنظمة التعاون الاسلامي “ندين بشدة جرائم اسرائيل ، واستمرار جرائم وارهاب الدولة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ، ونحمّل اسرائيل مسؤولية التداعيات المحتملة ، ونطالب المجتمع الدولي بمحاسبة اسرائيل على جرائمها، وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني.”

– الامين العام لمجلس التعاون الخليجي: “ندين ونستنكر انتهاك اسرائيل للمواثيق الدولية ، وعرقلتها مهمة السلام لحل القضية الفلسطينية ، وندعو الدول للتحرك لوقف الاعتداءات الاسرائيلية ، واحياء جهود حلّ الدولتين المقترح عربياً.”

– الناطق بإسم البرلمان العربي في القاهرة : “ان ما تقوم به اسرائيل في الضفة الغربية الفلسطينية هو جريمة حرب ضد شعب اعزل ، وندعو المجتمع الدولي لتأمين الحماية للشعب الفلسطيني ومحاسبة اسرائيل على اعتداءاتها.”

– الامين العام للأمم المتحدة : “نستنكر ما تقوم به اسرائيل في الضفة الغربية الفلسطينية ، ونطالبها بوقف العمليات العسكرية المفرطة في عنفها.”

– الاتحاد الاوروبي: “استنكر الاعتداءات وطالب بوقف العمليات العسكرية وحماية المدنيين.”

– الادارة الاميركية بلسان الناطقة بإسم البيت الابيض: “ندعم اسرائيل في حقها المشروع لحماية امنها والدفاع عن شعبها، وندعوها لحماية المدنيين .”

مما تقدم يتبيّن ان باستطاعة اسرائيل المضي في اعتداءاتها ولا من يحاسب عملياً: تخاذل عربي واسلامي ، وانشغال دولي بقضايا سياسية واقتصادية ومالية وعسكرية اكثر اهمية بالنسبة للدول الكبرى ، وخاصة الحرب في اوكرانيا وتداعياتها، وانحياز اعمى اميركي يحمي اسرائيل من اية محاسبة دولية .

ويبقى ان ما غاب عن بال المسؤولين الاسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو، هو ان الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين طوال عقود لم تحقق لاسرائيل رغم همجيتها ما تحلم به من ان تصبح دولة لها شرعيتها، تعيش بسلام مع جاراتها العربيات ، رغم اسراع بعضها رسمياً على التطبيع مع اسرائيل ، والقفز فوق الحقوق المغتصبة للفلسطينيين. ذلك ان التجارب اثبتت على ارض الواقع الفلسطيني ان ما تقوم به اسرائيل اليوم سيؤدي الى انعاش افكار ومواقف الرفض والثورة لدى الشباب الفلسطيني والتصميم على تجاوز الانقسامات المذلّة على مستوى القيادات الفلسطينية ، بعد ما ثبت لديهم انه لم يبق لهم ما يخسرونه ، وباتوا يعتبرون ان كل خطوة مهادنة مع العدو الاسرائيلي، ايا كان من يقف وراءها هو خيانة موصوفة للقضية الفلسطينية التي لم يبق صامداً للدفاع عنها سوى صدق عزيمة هؤلاء الشباب والشابات . فهم الامل وعلى عزيمتهم ووطنيتهم الاتّكال. حماهم الله وكلّل نضالهم بالنصر.